العالم بين فكيّ هرمز وباب المندب شرايين التجارة العالمية في مهب الأزمات

السبت 17 تشرين الأول , 2026 01:29 توقيت بيروت مقالات مختارة

مقالات مختارة
تشهد التجارة العالمية والنظام الاقتصادي الدولي اختباراً قاسياً وغير مسبوق، تتقاطع فيه الجغرافيا السياسية مع أمن الطاقة, وفي قلب هذا المشهد المشتعل، يبرز مضيقا هرمز وباب المندب كأبرز الشرايين الحيوية التي يمر عبرها عصب الاقتصاد الحديث، إن أي هزة أو إغلاق كامل محتمل في هذين الممريين الاستراتيجيين لا يمثلان مجرد توتر إقليمي عابر، بل يعادل سدّ الشرايين الرئيسية لجسد الاقتصاد العالمي، مما يضع القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، أمام أزمات معقدة تعجز الترسانات العسكرية وحدها عن حلها, وعليه سنعرض الآثار الناجمة عن استمرار الازمة في كلتا المنطقتين واحتمالية الوصول الى الاغلاق الكامل للممرين.
على المستوى الاقتصادي العالمي يعمل مضيقا هرمز وباب المندب كبوابتين أساسيتين لا غنى عنهما لتجارة الطاقة والسلع الاستهلاكية بين الشرق والغرب، ولطالما شكّل تعطيلهما كابوساً يؤرق الأسواق المالية والمصانع العالمية، وعليه نحن امام "صدمة الطاقة وأسعار النفط" فمضيق هرمز يمر عبره نحو خمس إنتاج النفط العالمي المنقول بحراً، إلى جانب حصة ضخمة من الغاز الطبيعي المسال من دول الخليج العربي, أي إغلاق كامل هنا سيؤدي فوراً إلى قفزة جنونية في أسعار النفط، لتتجاوز الحاجز النفسي للأسواق وتلامس مستويات قياسية غير مسبوقة قد تتخطى 150 أو 200 دولار للبرميل بحسب تقديرات الخبراء, عندها ستنعكس هذه الصدمة بشكل فوري على تكاليف الوقود عالمياً، مما يرفع تكلفة التشغيل والنقل والصناعة، ويشعل موجة تضخمية عالمية تعصف بالقدرة الشرائية للمستهلكين في مختلف القارات.
يمثل مضيق باب المندب البوابة الجنوبية لقناة السويس، وهو الممر الأقصر الذي يربط آسيا بأوروبا، بإغلاقه يتحول مسار السفن حول "رأس الرجاء الصالح" ما يضيف أسابيع إضافية على رحلات الشحن البحري، ويرفع تكلفة الحاويات بصورة هائلة نتيجة استهلاك وقود إضافي ورسوم تأمين باهظة ضد المخاطر الحربية، ينتج عن ذلك تأخير وصول السلع الأساسية والمواد الخام، وارتفاع الأسعار على المستهلكين عالمياً، ودخول الاقتصادات الكبرى في "شلل سلاسل الإمداد العالمية والتضخم".
اما في القدرات الميدانية فلطهران والحوثيون قواعد السيطرة، حيث تستمد الجمهورية الإسلامية وأنصار الله في اليمن قدرتهما على التأثير في حركة الملاحة بالاستفادة من موقعهما الجغرافي الفريد واستراتيجيات ما يعرف "بالحرب غير المتكافئة".
 
تمتلك إيران موقعاً ساحلياً طويلاً ومتحكماً بالضفة الشمالية لمضيق هرمز، فرغم تفوق القوات البحرية الأمريكية والغربية تكنولوجياً، إلا أن طهران طورت ترسانة قوية ومتعددة الطبقات تشمل:
• الصواريخ الباليستية والمضادة للسفن، القادرة على ضرب قطع بحرية على مسافات بعيدة.
• الزوارق السريعة المسلحة والألغام البحرية، وهي أدوات تقليدية لكنها شديدة الخطورة والتعقيد في مياه ضيقة ومزدحمة مثل هرمز، حيث يكفي زرع عدد محدود من الألغام لتعطيل حركة الملاحة لأسابيع وتخويف شركات التأمين البحري العالمية.
• الطائرات المسيرة، التي تمنحها قدرة استطلاع وهجوم منخفض التكلفة وعالي التأثير.
 
من جهتها استطاعت جماعة أنصار الله اليمنية فرض نفسها كقوة إقليمية مؤثرة في البحر الأحمر وباب المندب عبر استثمار جغرافية الساحل اليمني الغربي. وقد أظهرت العمليات البحرية الأخيرة قدرتهم على:
• تهديد السفن التجارية المرتبطة بالكيان الصهيوني أو المتجهة إليه باستخدام الصواريخ الموجهة والزوارق المسلحة والطائرات المسيرة.
• فرض حظر واقعي على جزء حاسم من حركة الملاحة، مما أجبر كبرى شركات الشحن العالمية (مثل ميرسك وغيرها) على تعليق رحلاتها عبر البحر الأحمر تماماً وتحويل مساراتها نحو أفريقيا.
 
في ظل ذلك وجدت الولايات المتحدة الأمريكية نفسها محاصرة في معضلة استراتيجية كبرى، حيث تتصادم مصالحها الحيوية مع طبيعة التحديات التي تفرضها أطراف غير تقليدية أو دول إقليمية تمتلك تكتيكات حرب العصابات البحرية، فرغم امتلاك واشنطن أسطولاً بحرياً جباراً وقدرات استخباراتية هائلة، أثبتت التجربة أن الردع العسكري التقليدي والضربات الجوية المحدودة لم تنجح في إنهاء التهديدات بشكل تام. فالتكلفة المالية والتشغيلية للعمليات العسكرية الأمريكية تشكل عبئاً استنزافياً طويل الأجل.
إن ارتفاع أسعار المحروقات والسلع نتيجة الأزمات الملاحية ينعكس مباشرة على شعبية الإدارة الأمريكية الحالية، خاصة في مواسم الانتخابات، حيث يحمّل الناخبون حكوماتهم مسؤولية غلاء المعيشة ويضع البيت الأبيض في معضلة سياسية واقتصادية، ويشتت التحالفات الدولية حيث تفضلت العديد من الدول الأوروبية والآسيوية النأي بنفسها عن التورط العسكري المباشر لتجنب تداعيات اقتصادية وسياسية إضافية، مفضلةً الدبلوماسية.
المشهد الجيوسياسي الراهن يثبت أن أمن الاقتصاد العالمي بات هشاً ورهينة لمضيقين ضيقين في الشرق الأوسط، فقدرة إيران وأنصار الله على تعطيل أو إرباك حركة الملاحة في هرمز وباب المندب كشفت محدودية الخيارات الأمريكية، ووضعت العالم أمام واقع جديد، مفاده أن الاستقرار الاقتصادي الدولي لا يمكن أن يستمر بمعزل عن إيجاد تسويات سياسية شاملة تضمن أمن وسلامة هذه الممرات الحيوية التي لا تحتمل مزيداً من الصراعات العسكرية.

 حسين فريجة


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل