أقلام الثبات
سؤال مشروع يتداوله السوريون في الداخل همساً، وفي الخارج علناً: كيف يمكن للرئيس أحمد الشرع أن يُطالَب بالتدخل العسكري في لبنان لمواجهة المقاومة، أو في الجبهة السعودية مع اليمن، فيما لا تزال مناطق من الشمال السوري تحت السيطرة التركية، وأراضٍ سورية في الجنوب تحت الاحتلال "الإسرائيلي"، من دون موقف سيادي واضح تجاه هذين الوجودين، ولو على المستوى الإعلامي؟
الجواب الصريح: الشرع يدفع فاتورة "الجولاني" للحفاظ على انتقاله من لائحة المطلوبين إلى لائحة الرؤساء، وبات لا يجيد سوى كلمة "نعم" للجميع، فيما هو عاجز عن إرضاء الجميع.
وبعد أن فقدت سوريا كثيراً من رصيد التضامن الذي كان يمكن أن يشكّل رافعة لمرحلتها الجديدة، لن يكون من السهل على دمشق الانخراط في مواجهات إقليمية من دون أثمان سياسية وأمنية. فاللبنانيون لن يستقبلوا الجيش السوري الحالي بتركيبته وخلفيات بعض مكوّناته، بالورود، إذا دخل في مواجهة مع المقاومة، فيما لا تزال الدولة السورية في طور إعادة بناء مؤسساتها وتثبيت استقرارها الداخلي.
ولم تكن زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى الرياض مؤخراً مجرد محطة لإعادة العلاقات وتبادل الوعود بالاستثمار وإعادة الإعمار، فالتقارير الصحفية التي تحدثت عن بحث خيارات لمساعدة السعودية في اليمن فتحت الباب أمام تساؤلات بشأن طبيعة الدور المطلوب من سوريا الجديدة: هل يُراد لدمشق أن تركز على إعادة بناء دولتها بمساعدة الآخرين، أم أن عليها أيضاً الانخراط في ترتيبات أمنية إقليمية قد تتجاوز قدراتها العسكرية والاقتصادية؟
وبحسب تقارير صحفية، بينها لوكالة "رويترز"، طُرحت خيارات تراوحت بين تقديم مساعدة دفاعية لحماية السعودية من الهجمات الحوثية، واحتمال نشر قوات سورية إلى جانب القوات اليمنية المدعومة من الرياض، لكن دمشق نفت طلب إرسال قوات، مؤكدة أن أمن المملكة من أمن سوريا، وأن سياستها تقوم على دعم الاستقرار وتجنّب فتح جبهات جديدة.
وهنا لا بد من التمييز بين التعاون الأمني والسياسي وبين اتخاذ قرار فعلي بالتدخل العسكري، فلكل منهما حساباته وتداعياته، ولا يجوز التعامل مع الاحتمالات المطروحة وكأنها قرارات محسومة.
ولا تحتاج السعودية بالضرورة إلى آلاف الجنود السوريين، فهي تمتلك قدراتها العسكرية وشركاء محليين ومرتزقة في اليمن قادرين على خوض المواجهة، لكن أي مشاركة سورية، إذا حصلت، قد تحمل دلالة سياسية تتجاوز حجم القوة العسكرية، من خلال توسيع مظلة التضامن العربي مع الرياض، وإظهار أن دمشق باتت جزءاً من منظومة إقليمية معنية بأمن الخليج والبحر الأحمر.
في المقابل، تحتاج سوريا إلى الدعم السعودي في الاستثمار وإعادة الإعمار وبناء المؤسسات، وإعادة تأهيل الجيش وإنعاش الاقتصاد المنهك، وهنا تكمن المعضلة: كيف يمكن لدمشق أن تكسب ثقة حلفائها وتستفيد من دعمهم، من دون أن تتحول التزاماتها السياسية إلى أعباء عسكرية تستنزف إمكاناتها قبل استعادة قدرتها على النهوض؟
فالعلاقات بين الدول لا تُقاس بمدى الاستعداد لتلبية مطالب الحلفاء فحسب، بل أيضاً بقدرة كل دولة على تحديد مصالحها وأولوياتها، والتعاون بما يتناسب مع إمكاناتها، وليس من الحكمة أن تنتقل سوريا من مرحلة طلب الدعم لإعادة بناء مؤسساتها إلى مرحلة تقديم الالتزامات العسكرية، قبل استعادة الحد الأدنى من الاستقرار والقدرة على اتخاذ قراراتها السيادية.
وإذا كان الملف اليمني يضع دمشق أمام حسابات تتعلق بأمن الخليج والتوازنات الإقليمية، فإن الملف اللبناني يبدو أكثر حساسية، بفعل الجغرافيا والتاريخ وتشابك المصالح الأمنية والسياسية بين البلدين.
لا خلاف على أن ضبط الحدود السورية - اللبنانية، ومنع التهريب، ومكافحة الجماعات المسلحة، وحماية استقرار البلدين، مصالح مشتركة تستوجب التعاون والتنسيق، لكن ثمة فارقاً جوهرياً بين تثبيت سلطة الدولة السورية على حدودها، وتحويل الجيش السوري إلى أداة في مواجهة طرف لبناني بعينه، تحت عناوين تتجاوز المصالح المباشرة لسوريا، وصولاً إلى إرضاء شريحة لبنانية متصهينة "متأسرلة" منذ الثمانينات.
فأي تدخل عسكري سوري في لبنان قد يعيد إحياء حساسيات تاريخية لم تندمل آثارها، ويفتح الباب أمام صراعات سياسية وطائفية وأمنية يصعب على دمشق تحمّل نتائجها، كما أن التعامل مع ملف حزب الله وسلاحه ينبغي ألا يتحول إلى ذريعة لنقل الصراع الإقليمي إلى الأراضي السورية أو اللبنانية، أو لإقحام الجيش السوري في مواجهة لا تنسجم بالضرورة مع أولويات الدولة ومصالح شعبها.
ولن تُقاس نتائج أي خطوة من هذا النوع بحساباتها العسكرية وحدها، بل أيضاً بتأثيرها في العلاقات بين الشعبين السوري واللبناني، وفي الاستقرار الداخلي للبلدين، وفي صورة السلطة السورية الجديدة عربياً.
فهل تحتاج سوريا في هذه المرحلة إلى فتح جبهة جديدة مع لبنان، أم إلى بناء علاقة متوازنة معه تقوم على احترام السيادة وضبط الحدود وعدم التدخل في الشؤون الداخلية؟ ينبغي أن تنطلق الإجابة من المصلحة السورية أولاً، لا من حسابات الآخرين أو متطلبات الصراع الإقليمي.
المفارقة أن أحمد الشرع يُواجَه بتوقعات لأدوار عسكرية خارج الحدود، فيما لا تزال سوريا أمام تحديات أساسية تتعلق ببسط سيادتها على أراضيها، في ظل استمرار الوجود العسكري التركي في مناطق من الشمال، والاحتلال "الإسرائيلي" لأراضٍ سورية في الجنوب، فضلاً عن الأزمات الأمنية والاقتصادية والمؤسساتية التي تواجه الدولة.
وهنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحاً: كيف يمكن لدولة لم تستكمل بناء مؤسساتها، ولم تستعد سيطرتها الكاملة على أراضيها، أن تتحمل أعباء مواجهات إقليمية جديدة، فيما لم يتبلور بعد موقف سيادي واضح وحازم تجاه الوجودين التركي و"الإسرائيلي"؟
السيادة ليست شعاراً يُرفع في المناسبات، ولا امتيازاً يمكن تأجيله إلى حين استكمال التفاهمات مع القوى الإقليمية والدولية، إنها أساس شرعية الدولة وقدرتها على حماية مصالحها، والمعيار الذي ينبغي أن تُقاس به خيارات القيادة السورية، سواء في علاقاتها مع السعودية أو في مقاربتها للملف اللبناني وسائر ملفات المنطقة.
لا يعني ذلك أن تنكفئ سوريا عن محيطها العربي أو تتخلى عن مسؤولياتها تجاه أمن المنطقة واستقرارها، بل أن يكون تعاونها مع السعودية وسائر الدول العربية جزءاً من مشروع متكامل لاستعادة الدولة، لا مدخلاً لاستنزاف جيشها ومواردها وتعريض الداخل السوري لارتدادات صراعات لا يملك القدرة على تحمّلها.
ففي اليمن، قد يؤدي التدخل العسكري إلى مواجهة طويلة ومكلفة ذات حسابات ميدانية وسياسية معقدة، فيما قد يفتح التدخل في لبنان أبواباً أشد حساسية، نظراً إلى طبيعة التوازنات الداخلية والتاريخ المشترك بين البلدين. وفي الحالتين، تبقى الأولوية السورية إعادة بناء المؤسسات، وتثبيت الاستقرار، واستعادة السيادة، قبل التفكير في أدوار تتجاوز الحدود.
وليس من المنطقي أن يُطلب من دمشق تقديم ضمانات أمنية للآخرين، فيما لا تزال بحاجة إلى ضمانات تحمي استقرارها وتساعدها على استعادة قرارها الوطني المستقل. فالدولة التي تسعى إلى استعادة مكانتها لا تكسب الاحترام بمجرد الاستجابة لمطالب الحلفاء، بل بقدرتها على التفاوض انطلاقاً من المصالح المتبادلة، وتحديد ما تستطيع القيام به وما يتجاوز إمكاناتها.
في الخلاصة، يكمن الخطر الأكبر على أحمد الشرع في أن يتحول من رئيس يسعى إلى إعادة بناء سوريا وكسب الشرعية الدولية إلى طرف في حروب الآخرين. فقد يكسب دعماً سياسياً من بعض حلفائه، لكنه قد يعرّض أمن بلاده واستقرار حكمه لمخاطر كبيرة إذا حمّل دولته أدواراً تفوق إمكاناتها، قبل أن تستعيد عافيتها وتستكمل بناء مؤسساتها.
إن انتقال أحمد الشرع من مرحلة "المطلوب" إلى مرحلة "الرئيس" لا يكتمل بمجرد تبدّل موقعه السياسي أو تغيّر طبيعة علاقاته الدولية، بل يتطلب إثبات قدرته على اتخاذ قرارات مستقلة، وحماية المصالح الوطنية، وعدم السماح بتحويل الدولة إلى ساحة لتصفية حسابات الآخرين.
فالرئيس الذي يسعى إلى استعادة مكانة بلاده لا يُقاس دوره بعدد الجبهات التي يدخلها، ولا بحجم الالتزامات العسكرية التي يقدمها لحلفائه، بل بقدرته على استعادة القرار السيادي، وحماية شعبه، وإعادة بناء مؤسساته، وصون مصالحه في محيط إقليمي مضطرب، فهل يُطلب من الشرع أن يساعد الآخرين على حماية أمنهم، قبل أن يتمكن من استعادة أمن سوريا وسيادتها؟
أطنان المتفجرات "الإسرائيلية".. بين صمت الحكومة وتبريرات القوى المشبوهة _ د. نسيب حطيط
استراتيجية الاستيطان "الإسرائيلي".. العسكري والسياسي _ د. نسيب حطيط
السعودية.. حفظوا وصيّة عبد العزيز ولم يحفظوا تاريخ اليمن _ أمين أبوراشد