أقلام الثبات
ترك المؤسس عبد العزيز آل سعود لأولاده مملكةً باسمهم، ووصيّةً تقول: "عزّكم في ذلّ اليمن وذلّكم في عزّ اليمن". حفظوا الوصيّة عن ظهر قلب، لكنهم على ما يبدو، لم يستوعبوا التاريخ الذي أفضى إلى إطلاقها، ولا دروس الصراعات التي خاضها اليمن في مواجهة قوى خارجية حاولت إخضاعه عبر القرون، من الأحباش إلى البرتغاليين، والعثمانيين، والبريطانيين، والمصريين، وجميعها اندحرت.
فاليمن، بموقعه الاستراتيجي وتضاريسه الصعبة وتاريخه السياسي والاجتماعي المعقد، لم يكن يوماً ساحة سهلة للسيطرة، ومن الأحباش والبرتغاليين، إلى العثمانيين والبريطانيين، وصولاً إلى التدخل العسكري السعودي عام 2015، تتكرر حقيقة مفادها أن التفوق العسكري لا يضمن بالضرورة تحقيق الأهداف السياسية.
في القرن السادس الميلادي، انتهت الهيمنة الحبشية على اليمن بتدخل فارسي ساساني، بعد صراع على النفوذ، وفي عام 1513، فشل البرتغاليون في الاستيلاء على عدن، رغم سعيهم للسيطرة على طرق التجارة البحرية المؤدية إلى البحر الأحمر والمحيط الهندي.
أما العثمانيون، فقد واجهوا مقاومة يمنية طويلة انتهت بخروجهم من المرتفعات الشمالية في القرن السابع عشر. وعادوا إلى صنعاء عام 1872، قبل أن يغادروا اليمن عام 1918، إثر انهيار إمبراطوريتهم عقب الحرب العالمية الأولى، وفي الحالتين، أدت المقاومة المحلية دوراً مهماً في إضعاف السيطرة العثمانية وإنهائها.
وفي الجنوب، احتلت بريطانيا عدن عام 1839، ثم وسعت نفوذها عبر محميات واتفاقيات مع سلطات محلية، غير أن الكفاح المسلح والنضال السياسي، بالتزامن مع التحولات الدولية، أفضيا إلى انسحابها في 30 نوفمبر 1967، وإعلان استقلال جنوب اليمن، وقد شكّلت هذه التجربة محطة بارزة في تاريخ التحرر الوطني اليمني.
كذلك، خاضت مصر بين عامي 1962 و1967 تدخلًا عسكرياً مكلفاً في شمال اليمن، دعماً للجمهوريين في مواجهة الملكيين المدعومين من السعودية. واستنزفت الحرب القوات المصرية وسط تعقيدات داخلية وإقليمية، قبل انسحابها في سياق تغيرات كبرى، من دون أن تُحسم الحرب الأهلية بانتصار عسكري نهائي لطرف واحد، لكن ماذا عن السعودية والحوثيين وهل يعيد التاريخ نفسه؟
عام 2014، سيطر الحوثيون على صنعاء في سياق الصراع الداخلي، وبالتحالف آنذاك مع الرئيس السابق علي عبد الله صالح. وفي مارس 2015، قادت السعودية تحالفاً عسكرياً دعماً للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، بهدف استعادة سلطتها ومواجهة التقدم الحوثي.
على مدى سنوات، شهدت البلاد غارات جوية ومعارك برية وهجمات صاروخية وبالطائرات المسيّرة عبر الحدود، وتكبد اليمن خسائر بشرية ومادية جسيمة، وفي أبريل 2022، دخلت هدنة برعاية الأمم المتحدة حيز التنفيذ، فخففت حدة القتال، من دون أن تفضي إلى تسوية سياسية شاملة.
والنتيجة الأبرز أن السعودية لم تتمكن من إعادة صنعاء إلى سيطرة الحكومة التي تدخلت لدعمها، فيما احتفظ الحوثيون بالعاصمة ومناطق واسعة من شمال غرب اليمن، وأثبتوا قدرتهم على مواصلة القتال وتهديد أهداف داخل الأراضي السعودية.
فهل يعني ذلك انتصار الحوثيين على المملكة؟ الأدق أن الرياض أخفقت في تحقيق هدفها الأساسي المعلن، بينما نجح الحوثيون في تثبيت سلطتهم الفعلية وتعزيز موقعهم في المعادلة اليمنية، لكن وصف ذلك بانتصار نهائي يبقى مبالغًا فيه، ما دام الصراع لم يُحسم بتسوية شاملة، وما دامت قوى يمنية أخرى تنازع الحوثيين النفوذ.
المفارقة أن السعودية لم تواجه حرباً تقليدية فحسب، بل دخلت صراعاً تتداخل فيه الجغرافيا والقبيلة والسياسة والتاريخ، حيث يصعب تحويل التفوق الجوي والقدرات العسكرية إلى حسم سياسي مستدام.
إن درس اليمن واضح: قد تنجح القوى الخارجية في التدخل وتحقيق مكاسب ميدانية، لكنها لا تستطيع ضمان إخضاع بلد تتجذر فيه مقاومة النفوذ الخارجي وتتعقد فيه حسابات السلطة والتحالفات.
فهل استوعب آل سعود هذا الدرس، أم اكتفوا بحفظ وصية المؤسس من دون فهم دلالاتها التاريخية؟
إن عزّ الدول لا يُبنى على إذلال الشعوب، ولا تُصان الممالك بإدامة الحروب، بل بحسن الجوار واحترام إرادة الشعوب. والتاريخ اليمني شاهد على أن تجاهل خصوصية اليمن قد يحوّل التدخل الذي يُراد له أن يكون حاسمًا إلى استنزاف طويل ومكلف، سياسيًا وعسكريًا.
"مهادنة إسرائيل" تفضح الخلل العقائدي والارتهان السياسي للجماعات التكفيرية _ د. نسيب حطيط
بعد فشل "اتفاق الإطار"... فلنبادر لإنقاذ الجنوب _ د. نسيب حطيط
الانتخابات "الإسرائيلية": ليست بين متشددين ومعتدلين _ د. ليلى نقولا