مقالات مختارة
يقول الكاتب والروائي فريدريك دوغلاس في روايته "مذكرات عبد أمريكي": "أدركت أنه كي تصنع عبداً قانعاً فمن الضروري أن تصنع عبداً لا يفكر، من الضروري أن تغرق رؤيته العقلية والأخلاقية في الظلام، وبقدر إعدام قوة العقل لن يكون قادراً على اكتشاف أي عيوب في نظام العبودية بل سيشعر بالعبودية وضعاً صحيحاً وسيتوقف عن أن يكون إنساناً"!!
تقدم هذه الرواية تحليلاً عميقاً وعملياً لآليات سياسة الهيمنة والسيطرة التي يمارسها المستبدون لقمع المستعبَدين والحفاظ على طاعتهم وولائهم، ومن هذه الآليات: سلب التعليم والمعرفة، سياسة التجهيل وتجريد الإنسان من إنسانيته، تفكيك الروابط الإنسانية والعائلية، التلاعب بالدين والأخلاق حيث يستغل المستبدون النصوص الدينية وتفسيراتها المحرفة لتبرير العبودية، وإقناع الجموع بأن الخضوع لسادتهم هو طاعة لله، في محاولة للسيطرة حتى على الضمير والروح، ومن آليات الهيمنة كذلك: التخويف والعقاب المنهجي عبر استخدام العنف المفرط والعقوبات العلنية ليس فقط لمعاقبة المخطئ، بل لترهيب الجماعة بأكملها وغرس الخوف المستدام في النفوس حتى تصبح الطاعة رد فعل تلقائي!!
وإذا ما أردنا إسقاط هذه الرواية وآليات سياسة الهيمنة على عالمنا المعاصر نجد أوضح صورها في سياسة القمع والترهيب واستخدام القتل والعنف المفرط والعقوبات العلنية التي مارستها ولاتزال الإدارة الأمريكية على مر عشرات العقود السابقة وحتى يومنا هذا على دول عدة، ولربما كانت أوضح صورها اليوم في عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وما ارتكبته إدارة مجرمي الحرب بقيادة ترامب بحق الشرعية القائمة في فنزويلا ممثلة برئيس البلاد نيكولاس مادوروواعتقال الأخير بشكل بوليسي على يد قوات خاصة أمريكية في بداية يناير من العام 2026، وجلبه إلى الولايات المتحدة بل وإخضاعه للمحاكمة أمام المحاكم الأمريكية بعد نزع الحصانة عنه!
كذلك من نماذج آليات سياسة الهيمنة والإخضاع عبر التدخل العسكري المباشر، ما حصل في سورية وقبلها في العراق وأفغانستان والعديد من الدول العربية بل والغربية التي يراد لها أن تكون صاغرة لإرادة الاستعمار الأمريكي بوجوه جديدة، بعد سلب إرادة تلك الدول وإخضاعها والسيطرة على قرارها وخيراتها ومقدراتها! ومن تلك النماذج الغربية عبر التدخل العسكري غير المباشر وحروب الوكالة، مخططات محاصرة روسيا لإضعافها عبر إشغالها في حرب مع أوكرانيا مدعومة من الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي الخاضعة لسياسة سكان البيت الأبيض ولو على حساب مصالحها، ومحاصرة الصين كذلك عبر تصعيد التوتر مع تايوان، حيث يعد التوتر بين الصين وتايوان صراعاً سياسياً وجيوسياسياً مستمراً منذ عام 1949، حيث تعتبر بكين الجزيرة جزءاً لا يتجزأ من أراضيها وتؤكد هدف "إعادة التوحيد" دون استبعاد استخدام القوة، بينما تتمتع تايوان بحكم ذاتي وتحظى بدعم عسكري ودبلوماسي من الولايات المتحدة.
ومن تلك النماذج أيضاً دعم النزاعات الحدودية في القرن الأفريقي ولاسيما دول المغرب العربي وإشغال مصر بالتوترات الحدودية والسودان والصومال وليبيا وغيرها الكثير من النماذج.
أما النموذج الإيراني والذي نود التركيز عليه والذي تهدف إدارة ترامب من خلال محاولات ومخططات التصعيد العسكري والحصار الاقتصادي إلى إخضاع الجمهورية الإسلامية وضرب مقدراتها وقدراتها وكل مقومات القوة والصمود والبقاء لديها كدولة تملك كل مقومات التطور والاكتفاء الذاتي في العديد من القطاعات ونظام حكم متماسك وكقوة إقليمية لها حضورها، كما تهدف إدارة ترامب أيضاً إلى محاصرة روسيا ولاسيما كذلك الصين الصاعدة اقتصادياً وعسكرياً، ذلك الصعود الذي بات يقلق أمريكا ويجعلها تسعى لإيجاد حلول بمثابة ضربات اقتصادية استباقية، دون الدخول في أي مواجهة عسكرية مباشرة، وإن كان مخطط إضعاف إيران هو بحد ذاته هدف قائم ومطلوب في سبيل اكتمال عقد "الشرق الأوسط الجديد" والسعي الخبيث نحو تسيد "إسرائيل" على المنطقة بأكملها وتثبيت حضورها ووجودها كقوة إقليمية حاضرة!!
منذ استئناف الحرب الأمريكية - الإسرائيلية على إيران في نهاية فبراير 2026، فشل الرهان حتى الآن على إسقاط إيران أو إضعافها أو ضرب التماسك الداخلي عبر محاولات إحداث اضطرابات داخلية بعد ضربة عسكرية كبيرة استهدفت رأس الهرم وقادة كبار في إيران وعلى رأسهم المرشد الأعلى علي خامنئي، كانت الصدمة لدى دوائر القرار والقتل الأمريكية والصهيونية بأن الشعب الإيراني صار أكثر التفافاً حول قيادته ضد الخطر الحقيقي الخارجي المتمثل بقوى الشر في العالم أمريكا و"إسرائيل".
لقد اعتمدت الجمهورية الإسلامية في إيران العديد من التكتيكات العسكرية والأمنية كان من إبرزها سياسة "الصبر الاستراتيجي" و"التصعيد بالتدرج"، وتم التهديد بتوسيع مدى النار ليشمل المياه الإقليمية خارج حدود مضيق هرمز، وكل ذلك يأتي في مواجهة آلة الحرب والقتل الأمريكية-الإسرائيلية التي استهدفت ولاتزال كل أو غالبية البنية العسكرية والمدنية على السواء بهدف "تحريض الجمهور" الإيراني وخلق حالة من النقمة داخل صفوفه بوجه السلطة القائمة، ولكن رغم ذلك أظهر الشعب الإيراني صموداً وثباتاً قل نظيره، بل والتفافاً حول قيادته، في مقابل كل ذلك صعدت الإدارية الأمريكية العاجزة عن إنهاء هذه الحرب بعد فشل الخيار العسكري في فرض أي شروط أو واقع جديد على إيران، فلجأت إدارة مجرم الحرب دونالد ترامب إلى سياسة "التصعيد بالهيمنة" عبر تشديد الحصار الاقتصادي على طهران، وكذلك إلى ما سمته "المعاملة بالمثل" وأن كل باخرة يتم استهدافها في مضيق هرمز يقابلها استهداف فوري للقطع البحرية الإيرانية.
ومع ذلك ورغم أن إيران لم تغفل عن المسار العسكري كخيار ربما يكون إلزامياً لا تتجه إليه بإرادتها بل رغماً عنها، ولكن ليس من قبيل الضعف طبعاً، فهي واصلت حراكها السياسي والدبلوماسي بعد أكثر من 40 خرقاً أمريكياً لما أطلق عليه اتفاق الإطار أو مذكرة التفاهم التي وقعت بين أمريكا وإيران في يونيو 2026 كإطار مبدئي من 14 بنداً لوقف العمليات العسكرية وتهدئة التوتر بين البلدين، وقدمت الجمهورية الإسلامية مؤخراً مقترح اتفاق من 7 نقاط ينفذ على 7 أيام، ولكن يبدو أن إدارة ترامب لم ترحب به، فيما يبدو أنها نوايا تصعيد عسكري مبيت وعودة جديدة للعدوان والحرب على إيران، أو تحضير لعمل أمني أو عسكري محدود أو في أفضل الأحوال ممارسة أقصى درجات الضغط مع استمرار الحصار البحري الأمريكي على إيران وبالتالي الحصار الاقتصادي وفرض المزيد من العقوبات في محاولة يائسة لإجبار إيران على الخضوع وتقديم تنازلات تمس سيادة طهران وجوهر الأمن القومي الإيراني لاسيما ما يتعلق بالبرنامج النووي ونفوذ طهران كقوة إقليمية.
في ظل التحشيد العسكري الأمريكي الإضافي القادم إلى المنطقة وتحديداً على مقربة من السواحل الإيرانية، تم عقد ثلاثة اجتماعات هامة ربما تشير إلى وجود نوايا لتصعيد عسكري قادم في ذروة التوتر مع إيران:
اجتماع عسكري أمني أمريكي، حيث نقل الإعلام الأمريكي ووسائل إعلام غربية أن كبار مسؤولي الأمن القومي في الإدارة الأمريكية عقدوا اجتماعاً سرياً واستثنائياً في منتجع كامب ديفيد برئاسة نائب الرئيس جيه دي فانس، وبحضور كل من: وزير الخارجية ماركو روبيو، ووزير الحرب بيت هيغسيث، والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف، ومدير وكالة المخابرات المركزية جون راتكليف، ورئيس أركان حرب القوات المسلحة المشتركة الجنرال دان كين، ودون حضور الرئيس دونالد ترامب، حيث كشف موقع أكسيوس أن الاجتماع خصص لبحث الخيارات العسكرية والسياسية والخطوات المقبلة تجاه إيران والصراع في اليمن.
كما عقد اجتماع عسكري سري رفيع المستوى في قاعدة عسكرية غير معلنة في ألمانيا (يُعتقد أنها في رامشتاين أو سبانغدالهم) بتنظيم من القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) بقيادة الأدميرال براد كوبر وذلك في منتصف سبتمبر 2026، جمع كبار القادة العسكريين من الولايات المتحدة و"إسرائيل" وسبع دول عربية، هي وفقاً لما كشفه موقع أكسيوس ورصده تقرير "دويتشه فيله":
السعودية، الإمارات، البحرين، الكويت، قطر، الأردن، ومصر.
وكان على أجندة اللقاء عدة بنود:
التوترات مع إيران: حيث تم بحث تطورات المواجهة والحرب المحتملة، وأمن الخليج العربي، والملاحة البحرية وخطط توسيع حركة وحماية السفن التابعة للجيش الأمريكي والتحالف في مضيق هرمز وباب المندب، والتنسيق الأمني عبر تبادل الإحاطات العسكرية والاستخباراتية وتعزيز التعاون في مجال الدفاع الجوي والصاروخي.
هذا ناهيك عن الكشف عن اجتماع عقده نتنياهو في الإمارات مع رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان،وبحضور قادة عسكريين وأمنيين من دول عربية عدة!
فهل يفعلها ترامب أم نتنياهو أم كلاهما معاً قبل حتى الانتخابات الإسرائيلية نهاية أكتوبر الجاري وانتخابات التجديد النصفي في أمريكا بداية نوفمبر المقبل، وهل أن ترامب سيمارس سياسة الخداع الدبلوماسي التي مارسها قبل ذلك ولأكثر من مرة لاسيما مع إيران، وكل ذلك بهدف تحقيق ضربة عسكرية استباقية وغير مسبوقة تؤدي في نظره إلى تحقيق ما عجزت آلة الحرب والقتل الأمريكية-الصهيونية عن تحقيقه حتى الآن؟؛ كل ذلك وارد وممكن وبالتأكيد ان إيران تضع ذلك في حساباتها وهي بلا شك تعد العدة لأسوأ الاحتمالات مع استمرار حراكها كما قلنا السياسي والدبلوماسي على قاعدة "توقع الأسوأ كاستعداد عملي، واستعد للأفضل كطاقة دافعة".
خرجت بعض التحليلات التي تقول بأن المصلحة الانتخابية لنتنياهو المنبوذ في الداخل الإسرائيلي وفي الخارج، تقضي بضربة عسكرية على إيران تعيد له شيئاً من الثقل السياسي الداخلي المفقود حيث شهد الشارع الإسرائيلي تراجعاً في مزاج الناخبين لليمين وتحديداً لنتنياهو وحزب "الليكود"، وبالتالي تحقق له قدراً من التفوق وإعادة التوازن وردم الهوة القائمة في عدد المقاعد في "الكنيست" الإسرائيلي بما يمكنه من إعادة تشكيل الحكومة والوصول من جديد إلى سدة رئاسة الوزراء، وهذا صحيح وممكن بأن يلجأ المنبوذ والعاجز نتنياهو إلى مثل هكذا "مقامرة ومغامرة" غير مضمونة النتائج، سواء على جبهة إيران أو لبنان أو غيرها من الجبهات، أما القول بأن هذا المخطط يتعارض مع توجهات الرئيس الأمريكي ترامب وأن الأخير قد حدد بالفعل استئناف العمليات العسكرية والحرب على إيران بلسانه عبر تصريحات عدة له، بعد انتخابات التجديد النصفي وليس قبل ذلك، فهو أمر يجافي المنطق، أولاً لأن نتنياهو بحاجة إلى ضوء أخضر أمريكي قبل أي ضربة أو عملية عسكرية، ثانياً من يعرف ترامب جيداً ويتتبع خطواته وأدائه السياسي والعسكري يدرك أن ترامب يمكن أن يواصل الخداع الدبلوماسي والسياسي كما أسلفنا مع التحضير لضربة عسكرية كبيرة ومفاجئة على إيران تستبق حتى انتخابات التجديد النصفي في أمريكا، مرة أخرى مع التأكيد بأن إيران ليست غائبة عن مثل هكذا سيناريو وبلا شك هي لا تريده ولكنها تعد له جيداً وتحضر أوراقها لأسوأ الاحتمالات، وبالخلاصة تسأل: هل يفعلها ترامب؟ أم نتنياهو؟ أم كلاهما معاً؟ وماذا سيكون شكل الرد الإيراني؟ وهل تشتعل كل جبهات المواجهة في المنطقة في وجه ترامب ونتنياهو؟ وكيف سيكون شكل المنطقة في ذروة هذا الاندفاع الأمريكي الإسرائيلي والانحدار نحو الهاوية؟
بقلم: سامر العريفه
قل له يا غياب...
"بجراحنا نقاوم"
مناجاة محبّ لمحبوبه ـ بقلم: سماحة الشيخ أحمد بدر الدين حسون "فرّج الله عنه"