نتنياهو بين الانتخابات والتصعيد العسكري

الجمعة 16 تشرين الأول , 2026 02:09 توقيت بيروت مقالات مختارة

مقالات مختارة

إن المشهد الإسرائيلي المحتدم والذي تتصاعد معه وتيرة التراشق الإعلاميوالاشتباك السياسي وتبادل الاتهامات، يزداد تعقيداً شيئاً فشيئاً مع اقترابالاستحقاق الانتخابي "للكنيست" والمقرر في 27 أكتوبر 2026، والذي سيحددشكل حكومة الاحتلال القادمة ومن سيرأسها.

ويمكننا القول بأن إثارة "الفزع الانتخابي" داخل أوساط الكيان ولاسيما اليمينالإسرائيلي، الهدف الأساسي منه هو توظيف أصوات الناخبين في معركةانتخابية محتدمة، يسعى كل طرف فيها من اليمين الإسرائيلي ومعارضيه بلحتى داخل أقطاب اليمين نفسه، لإدارة وترجيح الكفة لصالحه، بل أن المسؤولالأول عن إثارة هذا "الفزع الانتخابي" هو رئيس حكومة الاحتلال الحاليبنيامين نتنياهو، علماً أن المشهد السياسي داخل الكيان في انتخابات"الكنيست" للعام 2026، ينقسم إلى معسكرين رئيسيين يتنافسان على حصدالأغلبية المطلوبة لتشكيل الحكومة القادمة والبالغة 61 مقعداً.

ويضم معسكر نتنياهو أحزاب اليمين والحريديم، ممثلاً في حزب "الليكود"، فيمقابل معسكر رئيس الأركان الإسرائيلي الأسبق غادي آيزنكوت،

في حين أن  هناك بعض الأحزاب صغيرة الحجم والتمثيل خارج هذينالمعسكرين الرئيسيين، ولكن بإمكانها أن ترجح الأغلبية بشكل فاعل لأحدالمعسكرين لتمكين من يقوده من تشكيل حكومة الاحتلال القادمة، ونتنياهويسعى لاستمالة هؤلاء على وجه الخصوص والتأثير على قرارهم، في حين يجهدمعارضوه لاستمالة بعضهم والمراهنة كذلك وبشكل أكبر على استمالة القوائمالعربية لصالحهم، بإتباع سياسة نتنياهو نفسها وإن كان بشكل غير معلن، أيعبر إثارة "الفزع الانتخابي"، والتحذير من مخاطر وعواقب إعادة انتخابنتنياهو على الصعد كافة.

بنيامين نتنياهو المأزوم داخلياً والمنبوذ على مستوى العالم، وأكبر دليل على ذلكهو انسحاب ومغادرة وفود وممثلو 77 دولة، قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة،تزامناً مع صعود نتنياهو لإلقاء كلمته في 24 سبتمبر 2026، احتجاحاً علىاستمرار حرب الإبادة على غزة وعلى سياسة نتنياهو ورؤيته وطريقته لإدارةالصراعات في الشرق الأوسط، أما على مستوى الأزمة الداخلية التي تهددمستقبل نتنياهو الانتخابي فتعود لعدة عوامل منها ما يتعلق بالحرب على غزةولبنان وإيران والتدخل في الجبهة السورية وقبلها اليمن، ومآلات تلك الحروبعلى الأوضاع الأمنية والإقتصادية وتراجع الشعور بالأمان، وأزمة على مستوىإدارة الصراع بالمفهوم العسكري، وآثار تلك الحروب على الداخل الإسرائيليكذلك فيما يتعلق بمسألة "الهجرة المعاكسة"، لاسيما خلال معركة طوفانالأقصى التي بدأت في 7 أكتوبر 2023،

إضافة إلى الانقسامات السياسية الداخلية

وتشير التقديرات والإحصاءات الصادرة عن سلطة المعابر والمطارات الإسرائيليةوتقارير إعلامية إلى أن أكثر من 230 ألف إسرائيلي غادروا الكيان فيالأسابيع والشهور الأولى التي تلت معركة طوفان الأقصى، في حين أنالإحصاءات التراكمية التي نشرت في صيف العام 2026، أظهرت أن العددالإجمالي للمغادرين منذ عام 2023 وحتى منتصف 2026، وصل إلى نحو270 ألف إسرائيلي، وهو ارتفاع ملحوظ في أعداد المهاجرين وغالبيتهم منالفئات الشابة ودون سن الأربعين، والأكاديميين والمهندسين والأطباء.

وانطلاقاً من كل ذلك، أظهر استطلاع رأي نشرته هيئة البث الإسرائيليةالرسمية، في بداية أكتوبر 2026، أن 43 بالمئة من المشاركين يرون أن رئيسالأركان الأسبق غادي آيزنكوت هو الأنسب لرئاسة الحكومة، مقابل 38 بالمئةاختاروا رئيس حكومة الاحتلال الحالي بنيامين نتنياهو، حيث بقي معسكرالأخير دون الأغلبية اللازمة لتشكيل الحكومة.

وأظهر الاستطلاع حصول حزب "يشار" برئاسة آيزنكوت على 22 مقعداً منأصل 120 في "الكنيست"، مقابل 20 مقعداً لحزب "الليكود" بزعامة نتنياهو،الذي تراجع بمقدار مقعد واحد مقارنة باستطلاع الأسبوع الذي سبق هذاالاستطلاع الأخير.

بلا شك أن لكل هذا أسبابه لدى الناخب الإسرائيلي، وهي تتعلق بشكلأساسي بطريقة الأداء السياسي لنتنياهو وطريقة إدارته للصراعات في الشرقالأوسط وما خلفته معركة طوفان الأقصى في الوعي الإسرائيلي كما ذكرنا،كما ويضاف إلى كل ذلك، المواجهة المستمرة مع "المنظومة القضائية" فيالكيان، والتي تصاعدت مجدداً في النصف الثاني من العام 2026، لتدفعالكيان نحو أزمة "دستورية' حادة قبيل الانتخابات العامة. ويهدف نتنياهو منخلال ائتلافه اليميني إلى تقليص صلاحيات ما تسمى "المحكمة العليا" وإعادةصياغة "التوازنات القانونية" لصالحه.

كذلك فإن رئيس حكومة الاحتلال لديه أزمة فيما يتعلق باستمرار محاكته، حيثمثل نتنياهو أمام "المحكمة المركزية في تل أبيب" في يناير 2026 للمرة الـ72 للرد على تهم تتعلق بالرشوة والفساد في القضايا المعروفة بـ"1000 و2000 و4000".

يترافق كل ذلك مع تصعيد التوتر على الجبهات كافة لاسيما مع حزب الله فيلبنان وجبهة إيران عبر التهديد والوعيد وعرض العضلات، حتى أن جبهةالجنوب السوري لم تسلم من أطماع نتنياهو واعتداءاته بل وصل الأمر إلى حدتصعيد التوتر مع تركيا على الأراضي السورية، وآخرها عبر استهداف مطارأبو الظهور العسكري، وهي قاعدة جوية استراتيجية تقع في الريف الشرقيلمحافظة إدلب شمال سوريا، وتُعد ثاني أكبر قاعدة عسكرية في الشمالالسوري بعد قاعدة تفتناز الجوية، والذي كان يجري تأهيله بمنظومات دفاعجوي ورصد الكتروني، تحت الرعاية الرسمية التركية، وكذلك عبر تصريحاتمتكررة تحمل لغة لم تكن معتادة في العلاقات التركية الإسرائيلية القائمة أصلاًوالتي شهدت ولاتزال  صعوداً وهبوطاً لم تصل حد القطيعة الكاملة رغم كل مايتم تداوله وإعلانه من اشتباك سياسي وتبادل للاتهامات.

نتنياهو المأزوم داخلياً وخارجياً والذي لم يتمكن من حسم أي حرب أو معركةسواء أكان مع الجمهورية الإسلامية في إيران، أو مع حزب الله في الجنوباللبناني، أو على جبهة غزة مع حماس وفصائل المقاومة الفلسطينية، رغم حجمالقتل والدمار، تعهد متبجحاً بالقضاء الكامل على حماس وحزب الله وإسقاطالنظام في إيران خلال عامين! وادعى بأنه أنجز 90% من المهمة! 

هذه الادعاءات تأتي فيما أفادت تقارير استخباراتية أمريكية وتغطيات لصحيفة"وول ستريت جورنال"، أن إيران استعادت الوصول إلى نحو 90% من منشآتتخزين وإطلاق الصواريخ تحت الأرض، إضافة إلى 30 من أصل 33 موقعاًصاروخياً على طول مضيق هرمز، كما استأنفت إنتاج الصواريخ الباليستيةباستخدام المكونات المخزنة.

في الوقت نفسه حذر نتنياهو من أن إيران لديها القدرة على قتل مئات آلافالإسرائيليبن بالسلاح النووي،  والذي بمثل بحسب نتنباهو "التهديد الوجودي" على الكيان، ومن هنا يظهر التناقض في التصريحات لاسيما لدى نتنياهو بينالتفاخر بإنجاز المهمة بنسبة 90٪ ثم التحذير من القدرات العسكرية الإيرانيةأو لحزب الله وباقي قوى محور المقاومة.

كذلك خرجت تقارير إسرائيلية تقر بأن حزب الله حقق مفاجئة عسكرية صادمةلجيش الاحتلال والمؤسسة الأمنية خلال الحرب الأخيرة على لبنان. وخلال حربالعام 2024، ورغم ما تلقاه الحزب من خسائر، قال الأمين العام لحزب اللهالشيخ نعيم قاسم، إن الحزب استعاد عافيته، وإن "إسرائيل" لن تهزمه، وشددعلى أن المقاومة ستستمر، سواء نجحت المفاوضات أم لم تنجح بين الدولةاللبنانية وكيان الاحتلال برعاية أمريكية.

حزب الله الذي فاجأ العدو الإسرائيلي أجبره في حينها على تعديل خطابه عبروزير الخارجية الإسرائيلي، الذي غيّر الأهداف حين قال: إن الهدف من هذهالحرب ليس تدمير حزب الله.

وعلى وقع كل ذلك، أطلق وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس مؤخراً،تهديدات جديدة ضد حزب الله وباقي جبهات محور المقاومة في حال التدخللصالح إيران في أي مواجهة قادمة معها. 

كذلك أشارت تقديرات إسرائيلية أخرى، فيما يتعلق بجبهة غزة، أنه حتى حماسوفصائل المقاومة لاتزال تمثل تهديداً جدياً للكيان ومستوطنيه رغم ثلاثة أعواممن التدمير والقتل الإسرائيلي في غزة، بالتالي هذا التضارب والتناقض فيالخطاب الإسرائيلي والتصريحات من قبل نتنياهو ووزرائه وقادة جيشه، بلاشك يحمل أهدافاً انتخابية.

ويبقى الأخطر من كل تلك الخطابات والتصريحات المتناقضة، هو تفكيرنتنياهو الجدي بشن أي حرب جديدة سواء على جبهة إيران، أو ضد حزب اللهفي الجنوب اللبناني، علماً بأن أقطاب محور المقاومة الذين يدركون حقيقةإمكانية ذلك، يواصلون رفع منسوب الجاهزية والتعبئة العسكرية وتحشيد كلالطاقات والقدرات العسكرية الممكنة واللازمة لأي حرب أو معركة قادمة.

والسؤال الأهم هنا هل يدفع نتنياهو باتجاه مواجهة عسكرية جديدة فيحسابات الانتخابات الإسرائيلية القادمة؟ أم يأتي ذلك بعد احتمال إعادةانتخابه باعتبار أنه أخذ تفويضاً من الأحزاب والشارع الإسرائيلي و"شرعية" لاستكمال ما بدأه على مستوى التصعيد على جبهات عدة ولاسيما إيران ولبنانوربما اليمن ضمن حسابات عسكرية وأمنية معقدة وضمن ما يقول نتنياهو بأنهاستباق يستهدف ضرب القدرات العسكرية لاسيما لإيران وحزب الله التي أعيدبناؤها بالفعل؟

وفي سياق وسباق التصعيد العسكري الإسرائيلي، تم الكشف مؤخراً عناجتماع عقده نتنياهو في الإمارات مع رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بنزايد آل نهيان، وبحضور قادة عسكريين وأمنيين من دول عربية عدة! وتمالتداول بأن الهدف الأساس منه هو تسخين الجبهة مع جماعة أنصار اللهالحوثيين في اليمن، وكذلك بحث الملف الإيراني.

هذا ناهيك عن المناورات العسكرية الإسرائيلية المتواصلة لاسيما على جبهةالحدود بين فلسطين المحتلة ولبنان، وتفعيل الخبرات الأمنية والاستخباراتيةوتبادل المعلومات مع الولايات المتحدة ودول أخرى بعضها عربية! لاسيما منالدول المطبعة مع كيان الاحتلال.

وفي السياق ذاته، كشف المحلل السياسي بن كاسبيت في تقرير نشرتهصحيفة "معاريف" العبرية، عن تفاصيل حساسة تتعلق بالمخاوف من تجددالمواجهة العسكرية المباشرة مع إيران وامتداداتها الإقليمية، لاسيما معالحوثيين في اليمن، وذلك في ظل ترتيبات أمنية معقدة وضغوط متبادلة بينكيان الاحتلال وواشنطن.

وأشار بن كاسبيت إلى أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مارستضغوطاً خلال المباحثات الثنائية لحث "إسرائيل" على شن هجوم عسكريمنفرد ضد إيران، حيث تسعى الإدارة الأمريكية لتجنيب ترامب التبعاتالسياسية والاقتصادية لأي تصعيد عسكري مباشر قبيل انتخابات التجديدالنصفي، فيما عارض رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير هذا التوجه، محذراًمن أن ضربة منفردة قد تشعل حرباً إقليمية واسعة تؤدي إلى تأجيل الانتخاباتالإسرائيلية المفترضة، مما أدى إلى تعليق المقترح مؤقتاً.

بالتالي، فإن هدف نتنياهو من أي ضربة استباقية إذا ما تحققت وعلى أيجبهة كانت، هو بالأصل إما للتأثير على الناخب الإسرائيلي أو حتى تأجيلالانتخابات برمتها، انطلاقا من أن أي من الهدفين يمكن له أن يخدم نتنياهوالمأزوم كما قلنا وأوضحنا داخلياً وخارجياً.

في كل الأحوال لابد من التنبه جيداً من النوايا الخبيثة لنتنياهو الذي يعيشمعضلة كبيرة خصوصاً على مستوى الداخل الإسرائيلي، لاسيما لجهة إمكانيةتحقيق ضربة عسكرية إسرائيلية استباقية، قبيل انتخابات "الكنيست" لترجيحكفة الناخبين لصالحه، أو حتى في حال نجاحه بالوصول مجدداَ إلى رئاسةحكومة الاحتلال، لابد من إفقاد الكيان ونتنياهو وأمريكا عنصر المفاجأة الخطيرجداً في تأثيراته ومآلاته، والاستمرار في "مراكمة القوة"، والتنبه جيداً من كلقوى محور المقاومة لأي تصعيد أو مواجهة عسكرية قادمة، وهي ستكون بمثابةالخطوة الأولى ولكن الأساسية على طريق إفشال أي عدوان جديد، طبعاً معالتمسك بكل أسباب وأوراق القوة وأهمها ورقة مضيق هرمز لدى إيران.

 سامر العريفه


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل