"بجراحنا نقاوم"

السبت 19 أيلول , 2026 07:47 توقيت بيروت مقالات مختارة

الثبات ـ مقالات مختارة

"وشم الجراح على وجهي، هويتي".
هكذا بدأ الجريح باسل شاهين الحديث معنا معرّفا عن نفسه  : 

"الجرح الموشوم على جسدي ليس مجرّد أثرٍ للإصابة، بل هو جزءٌ من هويتي؛ يخبر عنّي، وعن كلّ ما مررتُ به. لا أراه علامةً ترافقني طوال حياتي فحسب، بل أتعامل معه كعنوانٍ جديد لمسيرتي. والتكيّف بالنسبة إليّ هو أن أواصل هذه المسيرة بعنوانٍ آخر، عنوانه ألّا أنكسر، وأن أحوّل هذا الجرح إلى مصدرٍ للعزم والقوّة، وأتابع حياتي بما يفرضه عليّ واقعي الجديد."

باسل الشاب النشيط،المتعلم،الزوج،الأب وبالطبع،المقاوم.
يؤكد أنه ما زال يذكر لحظة الانفجار وتفاصيله. أثناء تحدثه  عبر الهاتف في مكتب عمله، وإلى جانبه شابّ يبعد عنه نحو أربعين سنتيمترًا. رنّ البيجر ، فنظر إليه  صديقه وبدأ بقراءة الرسالة، ثم طلب منه أن يُلقي نظرة عليها. أخذ البيجر منه، وكانت المسافة بينه وبين عينيه نحو ثلاثين سنتيمترًا، وفي تلك اللحظة انفجر. وفي اللحظة نفسها، انفجر بيجر الشاب الذي يتكلم معه عبر الهاتف أيضاً.
 «يا الله»،كانت أول كلمة خرجت  مع أول قطرة دم. لم يكن يدرك حينها حجم الإصابات التي تعرّض لها. شعر بجروحٍ في وجهه ، لكنه لم يكن يدرك ما أصاب عينيه سوى أنه لم ير سوى سوادا يملأ المكان. نُقل إلى المستشفى، وظلّ طوال الطريق يحاول التماسك والتحدّث مع من حوله. ومع مرور الوقت، بدأ الألم يشتدّ، وبدأ يدرك شيئًا فشيئًا حجم ما جرى…
بعد نحو ساعتين، دخل إلى غرفة العمليات، وكانت زوجته في المستشفى، ورأت المشهد كاملًا. وفي تلك اللحظات، لم تكن الإصابة وحدها هي ما تشغله، بل وجوه عائلته وأطفاله، وما ينتظره بعد هذه اللحظة.
يضيف باسل "يصادف يوم الجريمة ١٧ أيلول أنه ذكرى ميلادي أيضا،أؤمن أن هذا ليس صدفة بل ولادتي الجديدة. فالإنسان حين يولد يخرج من رحم  أمّه و يأتي إلى هذا العالم بلا ذنوب، وأوقن أن أول قطرة دم سقطت قد غفرت لي، كما لو أنّها  ختام رحلةٍ طويلة من التعب."
عند سؤالنا عن اللحظات الصعبة التي كانت في طريق التعافي قال باسل أنه بعد الإصابة، وخلال إقامتهم في ايران لتلقي العلاج :" ذهبنا إلى طبيب الأعصاب، الذي أخبرنا أنّ العصب المتبقّي في العين لم يعد يعمل إلا بنسبة تقارب عشرة في المئة، وأنّ الرؤية المتوقعة ستكون محدودة جدًا؛ رؤيةً مشوشة، لا تتجاوز في أفضل حالاتها القدرة على تمييز عددٍ قليل من الأصابع ومن مسافة قريبة. بالنسبة إليّ، كان وقع هذا الكلام قاسيًا. كنّا حتى ذلك الوقت نعيش على أمل أن تكون الإصابة أقلّ مما نتخيّل، وحين سمعنا التقييم الطبي، شعرت بانكسارٍ حقيقي.
 استمعت بتمعن إلى دعاء يوم عرفة للإمام الحسين ،وهنا بدأت أفكّر في الأمر بطريقة مختلفة. قلت في نفسي: كم من هذه النعم التي كنت أعيشها يوميًا من دون أن أفكّر فيها؟ وكم نعمة أبقاها الله لي، في مقابل شيء واحد أخذه منّي؟ بدأت أرى الصورة من زاوية أخرى؛ بدل أن أفكّر فقط في ما فقدته، بدأت أتذكّر حجم ما بقي لديّ."
لا يُقدَّم باسل في هذا التقرير كونه  جريحًا في جريمة السابع عشر من أيلول  فحسب، بل لأنّ باسل نفسه والذي أصيب على بقعة صغيرة من هذه الأرض لكنه أيضا  جزء من معركةٍ أوسع قبل حرب ٢٠٢٤ بعقود، تمتدّ من جنوب لبنان إلى مياه الخليج الفارسي. ومن هنا، كان لا بدّ من الاستماع إلى قراءته لما تشهده المنطقة اليوم، وإلى تعليقه على طرح البعض إلى  أنّ المقاومة في حالة انكفاء  والبعض الآخر الذي يذهب أبعد من ذلك ليقول أنها كسرت وانهزمت تماما.
" لا أرى هذه المواجهة محصورةً في جبهةٍ جغرافية واحدة، لا في فلسطين ولا في لبنان ولا في أيّ مكانٍ آخر. بالنسبة لي، وجود إسرائيل في هذه المنطقة يجعل ما يجري جزءًا من مواجهةٍ أوسع، أراها مواجهةً بين الحقّ والباطل. ومن هذا المنطلق، لا أعتقد أنّ المقاومة يمكن أن تحصر حضورها في مكانٍ واحد؛
و أرى أن  ما يحدث اليوم جزءًا من مسارٍ أكبر، ما نسمّيه «الجبهة الموحّدة» و«محور المقاومة». قد نخسر معركةً في مكان، ونربح أخرى في مكانٍ آخر، لكنّني لا أرى أنّ هذه المعارك وحدها هي الحرب الكبرى. بالنسبة لي،  هناك مواجهةٌ استراتيجية أكبر نتهيّأ لها، وما نعيشه اليوم هو جزءٌ من هذا المسار الطويل.
لذلك، بالنسبة إليّ، المعركة ليست عسكريةً فقط؛ هي أيضًا معركةٌ عقائدية. أراها في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة، وأعتقد أنّ ما يجري يرتبط بمرحلةٍ أكبر نتهيّأ لها، وبما أؤمن أنّه مرتبط بظهور الإمام المهدي وبالمعركة الكبرى، أما الخسارة والربح، فلا أقيسهما بمعركةٍ واحدة. 
يكمل باسل مجيبا عن سؤالنا" كيف يكمل باسل حياته اليوم؟"
"لم  تُخرجني الإصابة من المواجهة، ولم تغيّر البوصلة، لكنها غيّرت الطريقة التي أواصل بها هذا الطريق. لم تعد مقاومتي بالشكل الذي كنت أمارسه سابقًا، لكنّني لم أتوقف عن المقاومة. أقاوم اليوم من مكانٍ آخر، وأحمل جرحي معي في هذا الطريق. أمشي كجريح، لكنّني لا أعتبر نفسي خارج المشهد أو بعيدًا عن الحضور. الإصابة غيّرت الكيفية، ولم تغيّر الموقف الذي أحمله."
أمارس دوري في خدمة الناس، وأعتبر أن عملي لم يتوقف بل بدأ في إطار جديد.."
يرينا باسل مشروعه الجديد الذي أطلقه  وهو "رخامة تيمم للجرحى والتي تحتوي على مكان يدين إحداهما مبتورة الأصابع تخليدا لذكرى الجرحى وهدية لمن بقوا"...ما يثبت أكثر الاستمرارية بالقول والفعل.(الصورة أدنى المقال)

من باسل إلى بيان، تتّخذ الشهادة وجهًا آخر لتجربة الجرح. بيان جريحةٌ في انفجار أجهزة «البيجر»، وزوجةُ شهيد، قدّمت لنا  خلال مقابلتها مع Press TV تجربةً استثنائية، تكشف جانبًا مختلفًا من الرواية.

-١٧أيلول٢٠٢٤: ماذا يعني لكِ هذا التاريخ؟
"لم يكن في المشهد ما يوحي بأنّ دقائق قليلة ستفصلنا عن لحظةٍ تغيّر حياتنا جميعًا.
فجأة، بدأ البيجر يرنّ. طلب زوجي من ابنتنا فاطمة، التي لم تكن قد تجاوزت الرابعة من عمرها، أن تحضره إليه، لكنها لم تقترب منه، وكأنّها كانت متردّدة في حمله. خرجتُ من المطبخ، وحملتُ البيجر بيدي، واقتربتُ من زوجي وأنا أسأله عن سبب هذا الرنين..
لم أكمل جملتي.
في اللحظة التي اقتربتُ فيها منه، انفجر البيجر.
في ثانيةٍ واحدة، انطفأ كلّ شيء أمام عيني. لم أعد أرى شيئًا. كان مهدي على صدر والده، وفي الجهة التي لم أعد أستطيع أن أرى منها، رأيت الدم على زوجي، فظننتُ أنّه دم ابني، وأنّ مهدي قد استُشهد. لم أفكّر في نفسي حينها، ولم أقبل أن أنزل من المنزل أو أذهب إلى المستشفى. كان كلّ ما أريده أن أرى طفليّ أولًا.
وحين لمحتُ مهدي وفاطمة، بدأتُ أستوعب أنّهما بخير. عندها فقط انتبهتُ إلى يدي؛ كانت تنزف، وقد فقدتُ جزءًا منها. في لحظةٍ واحدة، فقدتُ يدي وفقدتُ بصري..
أثناء ذهابنا للمستشفى،أخرجت يدي بأصابعي المبتورة ودمي الذي يسيل من الشباك  كي تفتح لنا السيارات أمامنا الطريق.
اعتقدتُ حينها أنّني فديتُ زوجي الشهيد، وكنت أقول: «فديتُ الأسمر الجميل». لكنّني كنت مقتنعةً بأنّ عيني الأخرى، التي كنت لا أزال أرى بها، ستنطفئ هي أيضًا، ولذلك كنت أرجو زوجي أن يُحضر لي أهلي وأخواتي، لأتمكّن من رؤيتهم  للمرة الأخيرة قبل أن أفقد بصري تمامًا.
كانت تلك لحظةً لا يمكنني أن أنساها.  كلّ من كان  يدخل ليراني لم يتحمّل رؤيتي؛ ويضع يده على وجهه ثم يبكي. وكنت أحاول أن أطمئنهم وأقول لهم: «هذه أنا، بيان.."
استشهد زوجي-الشهيد محمد صالح يعسوب الدين  في الحرب الاخيرة ٢٠٢٦ فجرا في أرض الجنوب ،ما جعلني أشعر أنني فقدت فعلا نور عيني من جديد.
كيف استطاعت بيان إعادة الاندماج في المجتمع بعد سنتين خصوصا كونها جريحة بيجر وزوجة شهيد؟وكيف تعيش الآن مع إصابتها؟
"كجريحةٍ في انفجار البيجر، وكزوجةِ شهيد، أستطيع أن أقول أنّ الانكسار لم يكن يومًا خيارنا. بعد إصابتي بالبيجر، افتتحتُ أنا وزوجي الشهيد مشروع «تعافينا»، وهو مشروع لإعداد المؤونة المنزلية.
  ومن أجل زوجي الشهيد ووصيته بأن أكمل المشروع، ولأنه من زرع في داخلي هذا الإصرار وهذه القوة.  أنا مستمرّة في مشروعي، وأحاول أن أكمل ما بدأناه معًا.
 بالنسبة لي ، الخسارة والانكسار ليسا خيارًا.

من باسل وبيان إلى القائد الكشفي الجريح جهاد صقر.

حيدر صقر قائدٌ كشفي، ارتبط عمله بالكشّاف وتربية الأجيال والمساهمة في تنشئة اجتماعية سليمة، وكان حضوره بين الفتية جزءًا أساسيًا من حياته ودوره.
بعد الإصابة، لم يتغيّر هذا الدور، ولم تسمح له الإصابة بأن يتخلّى عن العمل الذي أمضى سنواتٍ في ممارسته. يؤكد  أن  تقبّل مساعدة الآخرين لم يكن  سهلًا بالنسبة إليه؛ فكان، كلّما واجه أمرًا لم يعد قادرًا على القيام به بالطريقة نفسها، بحث عن وسيلةٍ أخرى وحلٍّ جديد يمكّنه من إنجازه بنفسه.وقرر  أن يستخدم حواسّه المتبقية، وأن يكيّف طريقته في العمل بدل أن يتخلّى عنه.
واستمرّ في عمله الكشفي بصورةٍ كاملة، وبقي حاضرًا بين الأجيال التي كان يعمل على تربيتها وتنشئتها. لكنّ حضوره هذه المرة حمل معنى إضافيًا؛ فقد أصبح، إلى جانب كونه قائدًا ومربّيًا، نموذجًا حيًّا أمامهم لما تعنيه الإرادة والتصميم والقدرة على الاستمرار. لم يعد يعلّمهم هذه القيم بالكلمات وحدها، بل صار يجسّدها في حضوره وعمله اليومي.
بالنسبة إليه، لم تكن الإصابة سببًا للتراجع عن الطريق الذي اختاره، بل كانت تحديًا فرض عليه أن يجد طرقًا جديدة لمواصلة الطريق نفسه. 

   على اختلاف تجاربهم في مواجهة ما جرى، اختار هؤلاء الجرحى أن يكملوا حياتهم، وأن يبقوا جزءًا من المشهد وشهودًا عليه في آنٍ واحد. وأصرّوا، في هذه المقابلات، على أن تُروى الحقيقة كما عاشوها، وألا يُحرّف المشهد.


 لمى المقهور


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل