خاص الثبات
ليس صحيحاً أن المقاومة هي التي دفعت الخليج إلى الحضن الأميركي، ولا أن صعود محور المقاومة هو الذي فتح أبواب العواصم الخليجية أمام واشنطن وتل أبيب، وكأن هذه العواصم كانت، قبل ظهوره، تقف على ضفة المواجهة، أو تتأهب لخوض معركة الاستقلال عن الهيمنة الأميركية. فهذه رواية تقلب الوقائع رأساً على عقب، وتمنح التبعية تاريخاً لم تعرفه، وتحمّل المقاومة مسؤولية خيارات سياسية وأمنية واستراتيجية سبقتها بسنوات وعقود.
قبل أن يتشكّل محور المقاومة بدوله وأحزابه وقواه، كان الخليج قد اختار موقعه في المعادلة الدولية: تحت المظلّة الأميركية، وفي قلب المنظومة التي تقودها واشنطن، سياسياً وأمنياً وعسكرياً.
لم تكن الولايات المتحدة ضيفاً طارئاً على الخليج، ولم تكن علاقتها بدوله وليدة صعود المقاومة أو نتيجة تمدّدها؛ كانت العلاقة قائمة على شبكة عميقة من المصالح والاتفاقيات والقواعد والتسليح والارتهان الأمني، حتى باتت واشنطن بالنسبة إلى عدد من هذه الأنظمة الضامن الخارجي الأبرز لأمنها واستمرار توازناتها.
فأيّ منطق هذا الذي يريد إقناعنا بأن المقاومة هي التي دفعت الخليج إلى الولايات المتحدة، فيما كانت القواعد الأميركية والاتفاقيات العسكرية وصفقات السلاح والتنسيق الأمني ركائز راسخة في بنية العلاقة قبل أن يصبح محور المقاومة عنواناً إقليمياً جامعاً؟ وأيّ قراءة للتاريخ هذه التي تتعامل مع الوجود الأميركي في الخليج وكأنه استجابة طارئة لخطر المقاومة، لا خيار استراتيجيّاً تَشكّل في سياق طويل من الحسابات والمصالح والارتباطات؟
إنّ تحميل المقاومة مسؤولية ارتماء الخليج في الحضن الأميركي ليس مجرد خطأ في ترتيب الأحداث؛ إنه نقلٌ للمسؤولية من أصحاب القرار إلى خصومهم، وتبرئةٌ للخيارات التي صنعت التبعية، وإعادة صياغة للمشهد بحيث يصبح مَن يواجه الهيمنة مسؤولاً عن استمرارها، فيما يُعفى مَن بنى معها علاقاته من السؤال والمحاسبة.
ثم جاءت العلاقة مع العدو الصهيوني لتكشف التناقض بأوضح صوره. فالتطبيع الخليجي لم يولد من فراغ، ولم يبدأ مع تصاعد المواجهة بين إسرائيل ومحور المقاومة. سبقت اتفاقياتُ التطبيع المعلنة مراحلَ طويلة من الاتصالات والتفاهمات والتقاطعات، كما أن بعض المسارات الخليجية نحو التطبيع اتخذت أشكالاً علنية قبل اتفاقيات عام 2020 بسنوات. ومن هنا، فإن اختزال هذا المسار كله في ردّ فعل على المقاومة يتجاهل تاريخاً من الحسابات السياسية والأمنية التي لا يمكن محوها بشعار أو قلبها باتهام.
والسؤال الذي ينبغي أن يُطرح ليس: لماذا اضطرت دول الخليج إلى التقارب مع واشنطن وتل أبيب بسبب المقاومة؟ بل: هل كانت هذه الدول خارج المنظومة الأميركية أصلاً حتى يُقال إن المقاومة دفعتها إليها؟ وهل كان الخليج، قبل تشكّل محور المقاومة، مشروعاً مستقلاً عن الاستراتيجية الأميركية، ثم جاء المحور فانتزعه من موقعه الطبيعي؟ أم أن العلاقة كانت قائمة، وأن ما تغيّر لاحقاً هو حجم المخاوف والحسابات وطبيعة الاصطفافات، لا أصل الارتباط؟
هنا تحديداً تكمن مغالطة الرواية التي تُحمّل المقاومة كل شيء: فهي تتجاهل أن الارتباط الأمني والعسكري بواشنطن لم يكن تفصيلاً عابراً، بل عنصراً بنيوياً في السياسات الخليجية؛ وتتجاهل أن العلاقات مع الولايات المتحدة لا تُختزل في موقف من إيران أو حزب الله أو أيّ مكوّن من مكوّنات محور المقاومة؛ وتتجاهل، قبل ذلك كله، أن قرارات الدول تُتخذ وفق مصالح أنظمتها وحساباتها، لا وفق سردية جاهزة تُلقي بالمسؤولية على الخصم.
ولا يعني ذلك أن صعود محور المقاومة لم يؤثّر في حسابات دول الخليج، أو أن الصراعات الإقليمية لم تدفع بعض هذه الدول إلى تعزيز تحالفاتها الأمنية. فالتأثير شيء، وخلق العلاقة من العدم شيء آخر؛ وتعديل الحسابات شيء، وتحميل طرفٍ مسؤولية مسار تاريخي كامل شيء مختلف تماماً. قد تتخذ دولةٌ ما من تهديد إقليمي ذريعةً لتوسيع تعاونها العسكري، لكن الذريعة لا تصبح أصل الحكاية، والظرف المستجد لا يمحو تاريخاً سبقَه.
المقاومة ليست مسؤولة عن خيارات لم تتخذها، ولا عن تحالفات لم تبنها، ولا عن ارتهانٍ لم تؤسّسه. ومن حقّ أيّ طرف أن يناقش سياسات محور المقاومة، وأن ينتقد حساباته ونتائجه، لكن ليس من الإنصاف ولا من الدقة أن يتحوّل هذا النقاش إلى محاولة لإعفاء السياسات الخليجية من مسؤولية خياراتها، أو لتقديم التبعية للولايات المتحدة بوصفها قدراً فرضه الآخرون.
إنّ الدفاع عن المقاومة، في هذا السياق، لا يحتاج إلى إنكار تعقيدات المنطقة، ولا إلى الادّعاء بأن كل خياراتها صائبة أو أن كل نتائجها محسومة. يكفي أن نضع الوقائع في ترتيبها الصحيح: الخليج لم ينتظر ظهور محور المقاومة كي يدخل في المنظومة الأميركية؛ والعلاقة الأمنية والعسكرية مع واشنطن لم تبدأ بوصفها ردّاً على المقاومة؛ ومسارات التقارب مع إسرائيل لها سياقاتها وحساباتها التي لا يجوز اختزالها في عامل واحد.
فلا تقلبوا التسلسل الزمني كي تُدينوا المقاومة، ولا تجعلوا من نتائج الصراع سبباً لكل ما سبقه. إنّ مَن يريد مساءلة محور المقاومة فليُسائله عن خياراته ونتائجها، ومَن يريد مساءلة الأنظمة الخليجية فليضع تحالفاتها وقراراتها أمام الوقائع والتاريخ. أمّا أن يُطلب من المقاومة أن تتحمّل وزر ارتهانٍ لم تصنعه، وأن تُلام لأنها لم تُبقِ الخليج خارج حضنٍ كان فيه أصلاً، فذلك ليس تحليلاً سياسياً؛ بل هو إعفاءٌ للمسؤول من مسؤوليته، وقلبٌ للوقائع لتبرير ما لا يراد تسميته باسمه.
الخليج، قبل محور المقاومة وبعده، ظلّ مرتبطاً بالمظلّة الأميركية؛ وما تغيّر هو المشهد الإقليمي، لا حقيقة أن واشنطن كانت حاضرة في قلب المعادلة الخليجية. ومن أراد أن يفهم الحاضر، فليبدأ من هذه الحقيقة، لا من رواية تجعل المقاومة أصل التبعية، وتحوّل مَن يواجه الهيمنة إلى متّهم بها، فيما يبقى صاحب القرار خارج دائرة المساءلة.
من يختطف المسيحيين ليكونوا "طائفة التطبيع والتحالف" مع "إسرائيل"؟ _ د. نسيب حطيط
اليمن... بين حُكم الغائبين والأحكام الغيابية _ أمين أبو راشد
تركيا وسوريا تخطفان الامن والسيادة اللبنانية _ د. نسيب حطيط