اليمن... بين حُكم الغائبين والأحكام الغيابية _ أمين أبو راشد

الخميس 22 تشرين الأول , 2026 02:27 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات 

"منذ 12 سنة وأنا مُحاصَر، وحكومتي الشرعية مُقيمة في الفنادق خارج البلاد.. أجد نفسي أنا الرئيس وأنا الوزير وأنا قائد الجيش وعنصر الحماية، وأنا الحرفيّ والمُزارع، وأنا كل شيء في بلاد لم يعد فيها أي شيء من مقومات دولة، سوى أرض محروقة وشعب ليس لديه ما يخسره".
قد تكون هذه الصرخة على أحد مواقع التواصل، لمواطن يمني أنهكته سنوات الحرب، أبلغ من عشرات البيانات السياسية والخطب الدبلوماسية، فحين يجد المواطن نفسه مضطراً إلى تعويض غياب الدولة وتأمين أبسط مقومات حياته، تصبح شرعية الحاكم أقل إلحاحاً من السؤال عن غياب الحكم الرشيد. هنا تكمن المفارقة اليمنية: سلطات تتنازع الشرعية والنفوذ، فيما يدفع المواطن ثمن الصراع من حياته وكرامته ومستقبل أبنائه.

لم تعد الأزمة اليمنية مجرد مواجهة بين الحكومة المعترف بها دولياً وسلطة أنصار الله، بل صراعاً تتداخل فيه الانقسامات الداخلية والمصالح الإقليمية، وقد أدى تعدد مراكز القوى إلى إضعاف مؤسسات الدولة وتعطيل الخدمات، فيما يحتاج ملايين اليمنيين إلى المساعدات، لذلك لا يمكن أن ينجح أي حل يكتفي بترتيب موازين القوى من دون معالجة آثار الحرب على شعب كتب بالدماء والدموع تاريخاً من الصبر.
وفي الجنوب، يتقاطع دعم الإمارات لقوى، أبرزها المجلس الانتقالي الجنوبي، مع مصالح إقليمية واستراتيجية، لكن القضية الجنوبية لها جذور ومطالب لا يمكن اختزالها في التدخلات الخارجية، ويقتضي تجاوزها فتح حوار يضمن تمثيل الجنوبيين وحقهم في تقرير مستقبلهم ضمن تسوية سياسية، بدلاً من فرض الانقسام بالسلاح أو تجاهل أسبابه.
أما السعودية، التي تدخلت عسكرياً عام 2015 دعماً للحكومة المعترف بها دولياً ومواجهةً لتوسع أنصار الله، فتواجه واقعاً يؤكد أن القوة وحدها لم تحقق الاستقرار. كما تكشف التباينات السعودية الإماراتية أن تضارب المصالح الإقليمية يزيد تعقيد الأزمة، ما يجعل إنهاء الحرب مرتبطاً أيضاً بتقليص التدخلات الخارجية وضمان أن تكون التسوية نابعة من توافق يمني، كي لا تحترق أيدي العابثين بحياة الأبرياء على مدى السنوات الماضية، وها هي النار اليمنية تحرق النفط في منابعه، وتقطع مصادر خيرات الغُزاة التي لطالما حُرِم منها اليمنيون قهراً.
ولقد أثبتت سنوات الحرب أن الاعتراف الدولي لا يكفي لبناء دولة، كما أن السيطرة على الأرض لا تمنح شرعية مطلقة، فالمعيار الحقيقي للحكم هو القدرة على توفير الأمن والخدمات والعدالة، وصون حقوق المواطنين وكرامتهم، ومن هنا، ينبغي أن تنتقل الأولوية من تثبيت شرعيات متنافسة إلى بناء مؤسسات تستمد مشروعيتها من أدائها ومساءلتها أمام الناس، إن لم يكن عبر برلمان منتخب، فعلى الأقل عبر قادة وممثلي القبائل والعشائر التي لها دورها في المجتمع اليمني. 

من هنا يبدأ الحل؛ بوقف إطلاق النار وحماية المدنيين، ثم إطلاق مسار سياسي شامل تشارك فيه كل المكونات، ويعالج قضايا السلطة ومستقبل الجنوب وتوزيع الثروة، بعيداً عن الإملاءات الخارجية، ويتطلب ذلك إعادة بناء مؤسسات الدولة، وتوحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية، ومحاسبة المسؤولين، وتجفيف مصادر المصالح التي تغذي استمرار الحرب، كما يحتاج إلى خطة إنعاش اقتصادي وخدماتي تعيد الثقة بين المواطن والدولة، وتربط أي ترتيبات سياسية بتحسين ملموس في حياة الناس.
اليمن لا يحتاج إلى شرعيات متنازعة بقدر ما يحتاج إلى دولة حاضرة، ولا إلى سلطات تتنافس على النفوذ بقدر ما يحتاج إلى مؤسسات تخدم مواطنيها، وبين حُكم الغائبين والأحكام الغيابية، يبقى اليمنيون الحاضر الأكبر في المأساة، والغائب الأبرز عن القرارات التي ترسم مصيرهم، يدفعون ثمن الحرب فيما يتنازع الآخرون شرعياتها ومكاسبها، وما لم يصبح الإنسان اليمني محور أي تسوية وغايتها، وتتحول الدولة إلى ضمانة للأمن والحقوق والخدمات، ستظل الاتفاقات مؤقتة، والانقسامات قابلة للتجدد، والدولة وعداً مؤجلاً في وطن أنهكته الوعود.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل