ترامب وسياسة "العصا والجزرة": العصا عكّاز خيبته.. والجزرة رشوة انتخابية _ أمين أبوراشد

الثلاثاء 15 أيلول , 2026 02:34 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات

لم يجد الرئيس دونالد ترامب في افتتاح مؤتمر الحزب الجمهوري للانتخابات النصفية في دالاس في 9 أيلول/سبتمبر 2026، ما هو أنسب من سياسة "العصا والجزرة" لافتتاح موسم المزايدات الانتخابية. غير أن مشكلة "العصا" هذه المرة أنها فقدت الكثير من صلابتها؛ فبدلاً من أن تكون أداة تهديد للخصوم الديمقراطيين، باتت أقرب إلى عكّاز يتكئ عليه ترامب في مواجهة تداعيات حربه مع إيران، وما أفرزته من كلفة سياسية واقتصادية، أما "الجزرة"، فجاءت بحجم غير مسبوق: وعدٌ بدفع خمسة آلاف دولار لكل مواطن أميركي بالغ، في حال حافظ الجمهوريون على سيطرتهم في الكونغرس، بما يحوّل الناخب إلى طرف مباشر في معادلة المقايضة الانتخابية عشية انتخابات الثالث من تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل.
ولم تكن مصادفة أن يرفع ترامب شعار القوة في الوقت الذي بدأت فيه نتائج استخدام القوة تنقلب على أهدافها، فالحرب التي أرادها اختباراً لهيبة الولايات المتحدة وقدرتها على فرض شروطها على إيران، أظهرت أن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تكفي وحدها لإدارة جغرافيا سياسية معقدة تتداخل فيها حسابات إيران وحلفائها ومصالح دول الخليج وممرات الطاقة والتجارة العالمية.
في مضيق هرمز؛ أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، لم تعد واشنطن صاحبة الكلمة الوحيدة. لقد تحوّل المضيق إلى ورقة تفاوض إيرانية بامتياز، وأصبح مصيره مرتبطاً بمسار تفاوضي وشروط متبادلة، بعدما كان الرهان الأميركي قائماً على أن التفوق العسكري يكفي لفرض حرية الملاحة وفق الشروط الأميركية، وهكذا انتقلت "العصا" من كونها أداة لفرض الإرادة إلى ورقة تفاوض لا تستطيع واشنطن أن تستخدمها منفردة.

وفي الجهة الأخرى من الإقليم، يطل باب المندب بوصفه الوجه الآخر للأزمة، فالتقدم الحوثي والسيطرة على جزيرة بريم الاستراتيجية يعززان نفوذ الجماعة المدعومة من إيران على أحد أهم الممرات البحرية التي تربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، وبذلك تصبح واشنطن أمام معادلة أكثر تعقيداً: مضيق هرمز في الشرق، وباب المندب في الغرب، وبينهما شبكة من القوى الإقليمية التي باتت قادرة على التأثير في حركة التجارة والطاقة، بل وعلى رفع كلفة أي مغامرة عسكرية أميركية جديدة.
ويأتي في هذا السياق موقف ترامب من الحوثيين ليكشف جانباً آخر من حدود استخدام "العصا" الأميركية، فبحسب التقارير، أجرى ولي العهد السعودي محمد بن سلمان اتصالين بترامب، طالب خلالهما بتدخل عسكري أميركي مباشر ضد الحوثيين، إلا أن ترامب رفض توجيه ضربات أميركية مباشرة، مفضلاً الاكتفاء بأشكال أخرى من الدعم، ولا سيما الدعم الاستخباراتي والمساعدة في تحديد الأهداف، وإذا كان ترامب قد رفض طلباً من حليف بحجم السعودية، وفي ظرف إقليمي بالغ الحساسية، فإن ذلك لا يعني أن الولايات المتحدة فقدت قدرتها العسكرية على ضرب الحوثيين، لكنه يكشف أن قرار استخدام هذه القدرة بات محكوماً بحسابات أكثر تعقيداً، وأن واشنطن لا تبدو مستعدة لفتح جبهة عسكرية جديدة قد يصعب التحكم بتداعياتها، وهنا تصبح "العصا" الأميركية أقل شبهاً بسلاح يُستخدم لفرض الإرادة، وأكثر شبهاً بأداة تُرفع للردع من دون استعداد دائم لاستخدامها، الأمر الذي يطرح تساؤلاً مشروعاً حول مدى قدرة الولايات المتحدة على فتح جبهة جديدة في الشرق الأوسط وتحمُّل كلفتها ونتائجها.
والأكثر دلالة أن دول الخليج نفسها لم تعد تنتظر واشنطن لتدير عنها هذه الملفات، هو قرار وزراء خارجية دول الخليج الاجتماع مع وزير الخارجية الإيراني لبحث أمن الملاحة ومصير مضيق هرمز، في مسار تقوده عُمان ولا تشارك فيه الولايات المتحدة، (هذا اللجتماع كان مقرراً يوم الإثنين وتم تأجيله بانتظار المزيد من التوافق حول بنود البحث)، فإن المسألة تتجاوز حدود اللقاء الدبلوماسي، إنها إشارة سياسية إلى أن حلفاء واشنطن التقليديين في الخليج بدأوا يتعاملون مع طهران باعتبارها طرفاً لا يمكن تجاهله، وأن أمن المنطقة لا يمكن أن يبقى رهينة قرار يصدر من البيت الأبيض وحده.
وهنا تكمن المفارقة التي يصعب على ترامب تجاهلها: الولايات المتحدة التي أرادت أن تكون "شرطي المنطقة" تجد حلفاءها يتفاوضون مباشرة مع خصمها الإقليمي، بينما تتحول الممرات البحرية التي يفترض أن تكون تحت مظلة الردع الأميركي إلى أوراق ضغط موزعة بين أطراف عدة.
إنها ليست بالضرورة نهاية النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط، لكنها بالتأكيد علامة على تراجع القدرة الأميركية على احتكار قواعد اللعبة، فالقوة التي لا تستطيع تحويل التفوق العسكري إلى استقرار سياسي، ولا تستطيع منع خصومها من إغلاق الممرات أو تهديدها، ولا تمنع حلفاءها من فتح قنوات تفاوض مستقلة، تصبح قوة تحتاج إلى إعادة تعريف حدودها.
ومن هنا يمكن فهم "الجزرة" الانتخابية التي أخرجها ترامب في وجه الأميركيين. فحين تتراجع فاعلية "العصا" في الخارج، يصبح من الطبيعي أن تنتقل المعركة إلى الداخل. وعدُ الخمسة آلاف دولار لكل مواطن بالغ ليس مجرد اقتراح اقتصادي؛ إنه رسالة انتخابية صريحة: إذا لم تستطع الإدارة تقديم انتصار خارجي يمكن تحويله إلى رصيد سياسي، فعليها أن تقدم للناخب شيئاً يمكنه أن يلمسه في جيبه.

لكن المفارقة أن هذه "الجزرة" ليست مجانية. فمن أين ستأتي مليارات الدولارات اللازمة لتمويلها؟ وهل يستطيع ترامب تحويل إيرادات جمركية أو عوائد استثنائية إلى توزيع نقدي واسع من دون أن يدفع الاقتصاد الأميركي ثمناً آخر عبر التضخم أو زيادة العجز؟ ثم هل يستطيع الرئيس أن يضمن تنفيذ وعد بهذا الحجم، في ظل حاجة أي برنامج مالي من هذا النوع إلى مسار تشريعي وموافقة الكونغرس؟

لهذا تبدو "الجزرة" أقرب إلى رشوة انتخابية سياسية منها إلى سياسة اقتصادية مكتملة الأركان. فالناخب الأميركي لا يُطلب منه هذه المرة أن يثق ببرنامج طويل الأمد، بل أن يرى رقماً كبيراً أمام عينيه، تماماً كما تُلوَّح الجزرة أمام الحصان كي يواصل السير في الاتجاه المطلوب.

والمفارقة الأشد أن ترامب، الذي بنى جزءاً كبيراً من صورته السياسية على القوة والصفقات والقدرة على إجبار الآخرين على تقديم التنازلات، يجد نفسه في الانتخابات النصفية المقبلة أمام الحاجة إلى عقد صفقة مع ناخبه هو: احتفظوا للجمهوريين بالكونغرس، وسأعطيكم خمسة آلاف دولار.

هكذا تنقلب معادلة "العصا والجزرة" على صاحبها. فالعصا التي كان يفترض أن تهدد الخصوم تحولت إلى عكّاز يسند ترامب عجزه عليها في محاولة "تمسكُن" لتبرير نتائج حربه مع إيران، والجزرة التي يفترض أن تكون حافزاً اقتصادياً أصبحت وعداً انتخابياً ضخماً يحتاج قبل كل شيء إلى تصديق الناخب.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل