سقوط الرهان: حين أفشلت صنعاء حسابات الرياض وتل أبيب ـ محمد دياب

الإثنين 14 أيلول , 2026 11:15 توقيت بيروت أقلام الثبات

خاص الثبات

 لم يكن اليمن، في الحسابات الإقليمية، مجرد جبهة بعيدة يمكن احتواؤها بضربات جوية متفرقة. فمنذ دخول صنعاء على خط المواجهة الإقليمية على خلفية حرب غزة، أدرك كيان الاحتلال الإسرائيلي أن المعادلة تغيرت، وأن جبهة تأتي من أقصى جنوب الجزيرة العربية باتت قادرة على الوصول إلى مساحات لم تكن تل أبيب تضعها سابقاً في حساباتها اليومية.

 ومن هنا بدأ الرهان على عامل آخر: إذا تعذر إخضاع صنعاء من الجو، فلتتولَّ القوى اليمنية المناوئة لها المهمة على الأرض، بدعم سعودي وأميركي وإسناد استخباراتي من كيان الاحتلال الإسرائيلي.

لكن هذا الرهان اصطدم بحقيقة أكثر تعقيداً.

فصنعاء لم تتعامل مع الضربات باعتبارها معركة منفصلة، بل باعتبارها جزءاً من صراع إقليمي واسع. وكلما ارتفع مستوى الضغط عليها، سعت إلى رفع كلفة الضغط على خصومها. وهكذا تحولت المعادلة من محاولة تطويق صنعاء إلى محاولة من جانب خصومها لمنع توسع دائرة المواجهة.

 السعودية، من جهتها، تجد نفسها أمام مفارقة صعبة. فهي تريد الحفاظ على نفوذها في اليمن، لكنها تعرف في الوقت نفسه أن العودة إلى حرب شاملة قد تعني إعادة فتح جبهة استنزاف أثبتت السنوات الماضية أنها ليست سهلة ولا قصيرة. ولذلك فإن أي مشروع لإضعاف صنعاء يحتاج إلى أدوات يمنية محلية قادرة على تحمل كلفة المواجهة، وهو أمر تصطدم به الانقسامات السياسية والعسكرية والجغرافية داخل اليمن.

 وهنا تحديداً تكمن إحدى نقاط قوة صنعاء في هذه المعادلة: القدرة على تحويل الحرب من مواجهة داخل الأراضي اليمنية إلى معادلة إقليمية أوسع.

 فالرسائل العسكرية التي تطلقها صنعاء لا تستهدف، في قراءتها السياسية، مجرد الرد على هجوم محدد؛ بل تحاول تثبيت قاعدة مفادها أن استخدام الأراضي أو المنشآت السعودية في أي عمل عسكري ضد اليمن لن يكون بلا ثمن.

 أما كيان الاحتلال الإسرائيلي، فيدرك أن المشكلة لا تتعلق بصاروخ أو مسيّرة واحدة، وإنما بنموذج من القدرات العسكرية التي يصعب تحييدها بضربة واحدة. فالقدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة، إلى جانب الموقع الجغرافي لليمن قرب أحد أهم الممرات البحرية في العالم، تمنح صنعاء أوراق ضغط لا يمكن تجاهلها.

 وهذا هو جوهر المأزق الذي يواجهه كيان الاحتلال الإسرائيلي.

 فكيان الاحتلال يستطيع تنفيذ ضربات بعيدة المدى، لكنه لا يستطيع ببساطة خوض حرب برية طويلة في اليمن. والولايات المتحدة تستطيع توفير منظومات دفاعية ودعم استخباراتي واسع، لكنها تدرك أن تحويل اليمن إلى حرب مفتوحة جديدة قد يوسع الصراع بدلاً من احتوائه.

 أما السعودية، فهي الطرف الذي يُفترض أن يتحمل العبء الأكبر إذا تحولت المواجهة إلى حرب مباشرة على الأرض.

 لذلك تبدو الصورة أكثر وضوحاً: الرهان على أن تنتهي الحرب في غزة، ثم تبدأ مرحلة جديدة هدفها تصفية حسابات اليمن، ليس بالضرورة رهاناً مضموناً.

 بل إن الخطر يكمن في أن يؤدي الضغط المفرط إلى نتيجة عكسية؛ أي إلى تعزيز تماسك صنعاء بدلاً من تفكيكها.

 وفي العراق، تزداد الصورة تعقيداً. فإسناد بعض الهجمات إلى فصائل عراقية بدلاً من تحميل صنعاء المسؤولية مباشرة لا ينبغي اعتباره حقيقة ثابتة من دون أدلة موثوقة، لكنه يكشف عن حساسية سياسية إقليمية: أي اتهام للفصائل العراقية المرتبطة بإيران يمكن أن يتحول سريعاً إلى جزء من معركة أكبر تستهدف نفوذ طهران وشبكة حلفائها.

 وهكذا تتقاطع ساحات اليمن والعراق وفلسطين والبحر الأحمر ضمن صراع واحد متعدد الجبهات.

 المفارقة أن المشروع الذي أراد عزل صنعاء عن محيطها الإقليمي انتهى، في بعض جوانبه، إلى تكريس موقعها داخل هذا المشهد. فكل ضربة وكل تهديد وكل محاولة لمحاصرة نفوذها تعيد إنتاج السؤال نفسه: هل يمكن إخضاع قوة سياسية وعسكرية متجذرة في بيئة محلية عبر التفوق الجوي وحده؟

 حتى الآن، لا يبدو الجواب سهلاً.

 فصنعاء ليست مجرد هدف عسكري ثابت. إنها طرف سياسي يمتلك شبكة تحالفات، وخبرة طويلة في الحرب، وقدرة على تحمل الضغوط، وأدوات تمكنه من التأثير في الحسابات الإقليمية.

 ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست فقط حول من يملك الطائرات والصواريخ الأكثر تطوراً، بل حول من يستطيع فرض كلفة أعلى على خصمه ومن يستطيع الصمود زمناً أطول.

 ومن هذه الزاوية، فإن الرهان السعودي وكيان الاحتلال الإسرائيلي على إنهاء معادلة صنعاء بالقوة يواجه اختباراً صعباً. فاليمن الذي كان يُنظر إليه كساحة يمكن التحكم بها من الخارج، أثبت أنه قادر على إنتاج معادلاته الخاصة.

 وإذا كان الهدف هو إخضاع صنعاء، فإن السؤال الذي ينبغي أن يقلق الرياض وتل أبيب وواشنطن ليس: كيف نضربها؟

 بل: ماذا سيحدث إذا لم تنجح الضربات في كسر إرادتها؟

 عندها، قد يتبين أن المشكلة لم تكن في قوة صنعاء وحدها، بل في سوء تقدير خصومها لطبيعة اليمن نفسه.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل