الخنق البحري المزدوج وتأثيره على لبنان _ د. ليلى نقولا

الإثنين 14 أيلول , 2026 03:08 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات
خلال الأشهر الأخيرة، ومنذ ما بعد توقيع مذكرة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة، يتنازع الاعلام العربي والغربي رؤيتان، الأولى تعتبر أن إيران نجحت في فرض إرادتها على الولايات المتحدة عبر استخدام أوراق الضغط البحرية في مضيق هرمز، وقصف وتعطيل القواعد العسكرية الأميركية واستنزاف مخزون الصواريخ. في المقابل، تعتبر الرؤية الثانية أن الولايات المتحدة ما زالت تحتفظ بالتفوق العسكري الكافي لإبطال أي تأثير استراتيجي لهذه الأوراق، وأنها بالفعل تقوم بحصار إيران اقتصادياً، وستقوم بإخضاعها عاجلاً أم آجلاً.

غير أن القراءة الموضوعية للأحداث تفيد أن إيران صمدت خارج كل التوقعات، ونجحت في منع الولايات المتحدة من تحقيق حسم استراتيجي سريع، كما نجحت في تحويل مضيق هرمز إلى ورقة ضاغطة، لكنها لم تصل إلى مرحلة القدرة على فرض شروطها على واشنطن أو تل أبيب.

ومؤخراً، تقدمت جماعة "أنصار الله" اليمنية الى المخا وسيطرت على الجزر الاستراتيجية المطلة على باب المندب، وبات لديهم القدرة على التأثير في الملاحة وامدادات الطاقة عبر باب المندب. وبالتالي، ازدادت الآمال لدى أطراف "محور المقاومة" بأن تكون سياسة "الخنق البحري المزدوج" قادرة على انتاج منظومة ردع جديدة تعوّض عن المنظومة القديمة التي سقطت بين عامي 2023 و2026، وقادرة على التأثير على الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
-      كيف ينعكس ذلك على لبنان؟

بالنسبة إلى إيران، لا يُنظر إلى الجبهة اللبنانية باعتبارها ملفاً منفصلاً، بل باعتبارها جزءاً من معادلة إقليمية تشمل هرمز والبحر الأحمر والعقوبات والبرنامج النووي والتوازنات الإقليمية. وفي هذا الإطار، أصر المسؤولون الإيرانيون خلال الأشهر الماضية على أن أي تسوية إقليمية لن تتم إلا بانسحاب "إسرائيلي" من جوب لبنان.

وعليه، فإن أي تغير في ميزان القوى أو الضغط الاستراتيجي في هرمز أو باب المندب سينعكس على الحسابات المرتبطة بالساحة اللبنانية، فكلما ارتفعت كلفة المواجهة البحرية والاقتصادية على الولايات المتحدة وحلفائها، كلما تحسّن وضع لبنان التفاوضي.

في المقابل، من الخطأ الاعتقاد أن الامر سيكون سهلاً؛ تنظر "إسرائيل" إلى جنوب لبنان من زاوية أمنية مباشرة، وتعتبر أن أي انسحاب أو إعادة انتشار لا يمكن أن يتم من دون فرض شروط أمنية وتنازلات كبيرة على الجانب اللبناني، خصوصاً بعد توقيع اتفاق الإطار والبيان الذي سبقه، والذي أعطاها حرية الحركة في لبنان، وبالتالي من الصعب التوقع ان الانسحاب سيكون سهلاً أو بدون شروط صارمة على لبنان.
وعليه، ما هي السيناريوهات المحتملة؟
السيناريو الأول: تسوية تدريجية تؤدي إلى انسحاب "إسرائيلي" جزئي أو كامل

يقوم هذا السيناريو على استمرار الضغوط البحرية في هرمز وباب المندب، واستمرار ارتفاع الكلفة السياسية والاقتصادية للمواجهة على الولايات المتحدة وحلفائها، بالتوازي مع ازدياد الضغوط الداخلية على الإدارة الأميركية.

في هذه الحالة قد تتبلور قناعة لدى الرئيس ترامب بأن استمرار الحرب المفتوحة بات أكثر كلفة من فرض تسوية سياسية، وعندها قد تمارس الإدارة الأميركية ضغوطاً فعلية على "إسرائيل" للدخول في ترتيبات أمنية تسمح بانسحاب تدريجي أو إعادة انتشار واسعة، مقابل ضمانات أمنية ونشر قوات دولية.
رغم أن هذا السيناريو يزداد قابلية للتحقق مع ارتفاع كلفة الاستنزاف، إلا أنه ما زال يتطلب تقاطعاً بين الإرادة الأميركية والاستعداد "الإسرائيلي" لتقديم تنازلات ميدانية.

السيناريو الثاني: جمود وحرب استنزاف منخفضة الوتيرة
في هذا السيناريو، يستمر الوضع الحالي لأشهر وربما لسنوات، أي يستمر الوضع المتأزم تحت حافة الحرب الشاملة.
ويُعد هذا السيناريو امتداداً طبيعياً لما يمكن تسميته بـ"توازن الاستنزاف"، حيث يعجز كل طرف عن فرض إرادته الكاملة على الطرف الآخر، وبالتالي سيكون الجنوب اللبناني هو الحلقة الأضعف.
السيناريو الثالث: تصعيد إقليمي واسع يسبق التسوية
يفترض هذا السيناريو أن أحد الأطراف يقرر كسر حالة الجمود بسبب كلفة الاستنزاف البطيء، فيكون ذلك عبر تصعيد كبير في أحد الميادين، سواء في هرمز أو باب المندب أو لبنان. في هذه الحالة قد تشهد المنطقة مرحلة قصيرة من المواجهة الشديدة تهدف إلى إعادة إنتاج توازنات جديدة على طاولة المفاوضات.
ويستند هذا الاحتمال إلى أن جميع الأطراف ما زالت تعتقد أن لديها أوراق قوة إضافية يمكن استخدامها لتحسين شروط التسوية النهائية، الأمر الذي يجعل خطر التصعيد قائماً رغم رغبة الجميع في تجنب حرب شاملة ومفتوحة.

في النتيجة، يكمن الاستنتاج الأهم أن ميزان القوى في المنطقة لم يعد يُقاس فقط بالقدرات العسكرية التقليدية، بل بقدرة كل طرف على تحمّل الاستنزاف وإدارة كلفته السياسية والاقتصادية. وفي هذا السياق، تبدو إيران قد نجحت في امتلاك حق التعطيل ومنع الحسم، فيما ما زالت الولايات المتحدة و"إسرائيل" تحتفظان بقدرة منع الخصوم من ترجمة هذا التعطيل إلى مكاسب نهائية، وبين هذين الحدين يقف لبنان، ليس كساحة مواجهة فقط، بل كأحد أهم ملفات التفاوض في الشرق الأوسط خلال المرحلة المقبلة.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل