من حذاءٍ فوق الرؤوس… إلى البحث عن بابٍ يُفتح...

الجمعة 04 أيلول , 2026 08:26 توقيت بيروت مقالات مختارة

الثبات ـ مقالات مختارة


كان محمد رضا بهلوي ، شاه إيران ، يعيش في عالم يبدو فيه العرش أبديّاً ، والسلطة بلا نهاية ، والأبواب مفتوحة أمامه في كل مكان .

حين زرتُ أحد قصوره ،(الذي أصبح متحفاً) لفتني مشهد أخبرني عنه المرشد السياحي هناك . أشار إلى حذاءٍ محفوظ داخل صندوق زجاجي ، موضوع على طاولة في زاوية إحدى الغرف ، وقال إن هذا الحذاء كان يُوضع فوق مدخل القصر ، بحيث يمرّ من تحته كبار الزوار ورؤساء الدول عند دخولهم .

واللافت أن الحذاء ما زال محفوظاً حتى اليوم داخل ذلك الصندوق الزجاجي ، ليشاهده الزائرون والسائحون ، وربما ليتأملوا كيف يمكن للسلطة ، حين يختلط بها الغرور والجبروت ، أن تجعل الإنسان يرى نفسه فوق الآخرين .

ثم دارت الأيام...

سقط العرش ، وغادر الشاه إيران ، وبدأ رحلة طويلة بين البلدان بحثاً عن مكانٍ يستقر فيه . تلك الدول التي كانت تعرفه ملكاً وصاحب نفوذ لم تعد أبوابها مفتوحة كما كانت .

حتى وصل إلى بنما ، فلم يطل به المقام ، وضاقت به وبعائلته ، وطُلب منهم الرحيل .

 

ويروي الصحفي الكبير محمد حسنين هيكل في كتابه "مدافع آيات الله" أن زوجة الشاه الثالثة والأخيرة  فرح ديبا لجأت في تلك المرحلة إلى رئيس مفوضية اللاجئين الدولية ، طالبةً المساعدة في تأمين وثائق تسمح للعائلة بمغادرة بنما ، حتى طلبت أي وثيقة تمكنهم من الخروج ، ولو كانت وثيقة لاجئ .

هنا تصبح الصورة قاسية في مفارقتها:

رجلٌ كان عرشه فوق الجميع ، أصبح يبحث عن مكانٍ على الأرض .

وحذاءٌ كان رمزاً للهيبة والجبروت ، أصبح اليوم قطعةً محفوظة خلف الزجاج ، يمرّ أمامها السياح ويتأملون قصة صاحبها .

وربما لهذا السبب بقي الحذاء معروضاً ، ليس باعتباره حذاءً فحسب ، بل باعتباره شاهداً على زمنٍ مضى ، وعلى حقيقة يعرفها التاريخ جيداً: أن السلطة مهما علت ، لا تدوم ، وأن المشهد الذي يبدو ثابتاً اليوم قد ينقلب غداً بصورة لا يتوقعها أحد .

وقصة الشاه لا تنتهي عند سقوط العرش .

فهو الذي وجد في لحظةٍ من الزمن دولاً وحلفاء وأبواباً مفتوحة ، اكتشف في نهاية المطاف أن لكل دولة حساباتها ، وأن العلاقات الدولية لا تقوم دائماً على الوفاء ، بل كثيراً ما تحكمها المصالح .

ولعل في هذه القصة ما يجعلنا نتأمل واقعاً نراه اليوم ، حيث يراهن البعض على حماية الخارج ، ويظنون أن التحالف مع القوى الكبرى يكفي لضمان المستقبل .

لكن التاريخ يقول إن الدول ، عندما تتبدل مصالحها ، تعيد حساباتها .

وليس المقصود من قصة الشاه أن نُصدر حكماً على أحد ، بل أن نتوقف قليلاً أمام المشهد كله:

كيف يمكن لمن كان في قمة القوة أن ينتهي باحثاً عن مأوى؟ وكيف يمكن لمن ظن أن الأبواب ستبقى مفتوحة أن يجد نفسه يوماً أمام أبوابٍ مغلقة؟

ويبقى الحذاء خلف الزجاج...

ينظر إليه الزائر ، ثم يخرج ، وربما لا يحتاج إلى كثير من الكلام ليفهم الحكاية ...
{فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}.

ناصر خرعل


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل