أقلام الثبات
اعتمد العدو "الإسرائيلي" استراتيجية العقاب الجماعي للمدنيين؛ بهدف دفعهم للانقلاب على المقاومين وتحميلهم مسؤولية وحشيته وما يرتكبه من قتلٍ وتهجيرٍ وتدمير، لترسيخ معادلةٍ تجعل المقاوم "الشهيد" هو المسؤول عن تدمير أي بيتٍ آواه، أو تموضع بجانبه، أو اضطره للاختباء فيه لساعات، مع إعفاء العدو من مسؤولية تدمير البيت واغتيال الشهيد في قريته البعيدة عن ساحات المعارك، وخارج نطاق المناطق الصفراء والرمادية والحمراء التي قرّرها العدو حتى أثناء الهُدن المعلنة. وبموجب هذه المعادلة، لا يُسأل العدو عن وجوده داخل لبنان، بل يُوجَّه اللوم للمقاوم عن وجوده في قريته أو بيته.
يشن العدو "الإسرائيلي" حربه لنزع سلاح المقاومة، التي يعتقد البعض أنها محصورة، بالسلاح الصاروخي وغيره من أنواع الأسلحة، لكن الوقائع تثبت بالدليل أن الحرب الإسرائيلية تستهدف السلاح الأساس للمقاومة، وهم أهل المقاومة وحصنها وبحرها وحاضنتها وملجأها، فعمد إلى تكثيف الضربات عليهم لأنهم لم يمنعوا أبناءهم من التطوع بالمقاومة وشجعوهم وتباهوا بهم شهداء، فلجأ الى عقاب المدنيين بشكل جماعي وتعذيبهم عن بعد، فنهب بيوتهم قبل تدميرها، وأحرق مزارعهم وحقولهم، وجرف قبور أجدادهم وأهلهم، ودمر أغلى وأجمل ما يملكون من بيوت وذكريات، وهجّرهم ليذلّهم ليصبحوا نازحين مطرودين منبوذين في وطنهم، وإذا استطاع العدو نزع السلاح الأهلي للمقاومة، فإن السلاح الصاروخي سيسقط دون عناء ودون احتلال، ليتحوّل الأهل المؤيدون والحاضنون للسلاح وحامليه إلى شرطة تطارد وتكشف عمل المقاومين السري، وهذا أخطر مراحل العمل المقاوم.
بدأ العدو يتلمّس مؤشرات النجاح في استراتيجية العقاب الجماعي، وأولى هذه النجاحات ما تحمله وسائل التواصل من مواقف ضد المقاومة وسلاحها وتصرفاتها وكل منشور "يجرّم" المقاومة او يشكك بشرعيتها وشرعية سلاحها أو الإضاءة على أخطائها أو سلوكياتها، سيشجع "الإسرائيلي" أن يتوحش أكثر ويدمر أكثر ليزيد الشرخ بين الناس والمقاومة، لكن من هو المسؤول عن هذا الخطر الداهم والخطير؟
وكيف يمكن معالجته وهو في بداياته قبل أن يتوسّع ونحن في المرحلة الأخيرة من الحرب المتوحشة علينا والتي ستقرر مصيرنا لمائة عام قادمة؟
- المسؤول الأول والأساس هو العدو "الإسرائيلي" العدواني الذي لم يتوقف عن قصف واجتياح الجنوب منذ احتلال فلسطين وقبل أن تولد المقاومة وقبل أن يحمل أي لبناني سلاحه دفاعاً عن نفسه ،الصهيونية العالمية حدّدت نهر الليطاني حدوداً لها منذ مؤتمر بال 1897 وفي معاهدة سيفر 1920 قبل إطلاق صواريخ عمليات المقاومة.
- المسؤول الثاني هي الدولة التي تركت أهل الجنوب لمصيرهم، فلم تدافع عنهم ولم تحمهم وتركتهم في الحرمان ودون إنماء، ثم أعطت الجنوب للمقاومة الفلسطينية في اتفاق القاهرة دون مشورة أهله.
- المسؤول الثالث هي القيادات وعلماء الدين الذين يغيبون عن ساحة الإرشاد والتوجيه وتأمين مقومات العيش للصامدين والنازحين وهم يرون قوافل نزوحهم المتكررة صباحاً ومساءً ولا يطل عليهم أحد ليطيّب خاطرهم أو يرشدهم إلى ما يفعلون، حتى صارت الناس تقود نفسها في لحظات القصف والخطر والنزوح.
- المسؤول الرابع كل من خذلنا وترك المقاومة وأهلها وحدهم في المعركة، وجعل أمنه ووجوده أولوية على أمن ووجود الآخرين.
بدأت إرهاصات "التصدّع" في المجتمع المقاوم ولأول مرة منذ انطلاقة المقاومة بسبب استثنائية التوحش "الإسرائيلي" والعقاب الجماعي، ويساعدها التقصير والقصور من المعنيين في تضميد آلام الناس وأحزانهم .
فلنبادر لمعالجة هذا التصدع الخطير وعدم إهماله، ولمعالجة بعض السلوكيات السلبية والمضرّة وغير المسؤولة التي تستفز الناس خاصة وجوب العمل السري وتصاريح بعض المسؤولين أو إعلاميي الصدفة من المسترزقين.
لا تتركوا هذا الشرخ يتوسّع ويتجذّر، لأن العدو "الإسرائيلي" سيزيد غاراته عند كل إشكال في قرية أو صدور منشور يحمّل المقاومين مسؤولية ما ارتكبه الاحتلال من جرائم (فالدمار يولد النقار).
أهلنا أشرف الناس.. فاعرفوا كيف تتعاملون معهم وتداوون جراحاتهم، ولا تتهموهم بالانهزام أو مساعدة العدو... فهم بحركم التي تبحر فيه سفنكم.
العقاب الجماعي "الإسرائيلي" لتفكيك المجتمع المقاوم _ د. نسيب حطيط
الثلاثاء 08 أيلول , 2026 02:34 توقيت بيروت
أقلام الثبات
الحاملة "أبراهام لنكولن" غادرت بحمولة من الصدأ.. مع خيبة أميركية وقلق خليجي _ أمين أبوراشد
"جبل عامل" لم ولن يسقط.. بل سيسقط الذين حاربوه أو خذلوه _ د. نسيب حطيط
من اليونيفيل إلى آلية التحقق.. استبدال تدريجي للقرار 1701؟ _ د. ليلى نقولا