أقلام الثبات
بعد انتشار استمر 286 يوماً، غادرت حاملة الطائرات الأميركية "أبراهام لنكولن" تايلاند، في طريق عودتها إلى الولايات المتحدة، بعدما أمضت أطول انتشار لها في البحر، وشاركت مع حاملات ومدمرات أميركية أخرى في العمليات العسكرية المرتبطة بالحرب مع إيران.
وفي الصور التي التُقطت لها عند وصولها إلى تايلاند، ظهر الصدأ واضحاً على جوانبها، إضافة إلى آثار استهلاك وتآكل على هيكلها بعد أشهر طويلة من الإبحار، ومهما كان الصدأ أمراً متوقعاً في بيئة بحرية قاسية، فإن المشهد تحوّل سريعاً إلى مادة إعلامية وسياسية، ورآه البعض صورة رمزية لما جرى داخل هذه "المدينة العائمة" خلال فترة انتشارها الطويلة.
والحديث لم يعد عن هيكل معدني يحتاج إلى الصيانة فحسب، بل عن نحو خمسة آلاف عنصر عاشوا على متن الحاملة في ظروف استثنائية، بعيداً عن اليابسة لفترة طويلة، وسط تقارير عن نقص بعض الإمدادات والخدمات الأساسية، وعن ضغوط نفسية ومشكلات في ظروف المعيشة، وصلت بحسب التقارير لدى بعض أفراد الطاقم إلى محاولات انتحار.
ومع تصاعد الشكاوى والضغوط من عائلات أفراد الطاقم، إلى جانب تدخل عدد من أعضاء الكونغرس، بات إنهاء هذا الانتشار الطويل واستبدال الحاملة بأُخرى موضع اهتمام متزايد.
وبعيداً عن المظهر الخارجي للحاملة، أكدت البحرية الأميركية أن آثار الصدأ والتآكل ليست بحد ذاتها دليلاً على تعرضها لأضرار قتالية خطيرة، وأن السفن التي تمضي فترات طويلة في البحر تتعرض طبيعياً لعوامل البيئة البحرية والاستهلاك، لكن ذلك لا يلغي أن طول فترة الانتشار نفسها كان استثنائياً، وأن عودة الحاملة أدراجها حملت معها أسئلة تتجاوز مسألة الصيانة.
فـ"أبراهام لنكولن" لم تعد إلى الولايات المتحدة بعد انتشار روتيني، بل أمضت مدة قياسية في البحر، وعاد أفراد طاقمها وهم يتحدثون عن الإرهاق، والحاجة إلى الراحة والنوم، والشوق إلى اليابسة والعائلات، وظهرت بالتوازي تقارير عن تدهور الصحة النفسية وانخفاض المعنويات ونقص بعض الإمدادات الغذائية ومشكلات في ظروف المعيشة خلال هذا الانتشار الطويل.
ومن هنا بدأت بعض القراءات السياسية تتعامل مع عودة "أبراهام لنكولن" بوصفها مؤشراً يمكن أن يرتبط بإعادة ترتيب الوجود العسكري الأميركي في المنطقة، ولا سيما إذا تزامنت هذه العودة مع محاولة الرئيس دونالد ترامب تقديم نتائج الحرب باعتبارها انتصاراً أميركياً.
لكن السؤال يبقى: أي انتصار؟
هنا تبرز قراءة الإعلامي العُماني علي المعشني، الذي يرى أن الولايات المتحدة نفسها أسهمت في تحويل إيران إلى ما يشبه "الغُول" في المنطقة: غول عسكري بنى جانباً كبيراً من قدراته اعتماداً على إمكاناته الذاتية، وغول اقتصادي استطاع الاستمرار رغم عقود من العقوبات والحصار، وغول شعبي يظهر بصورة أكثر تماسكاً عندما يشعر الإيرانيون بأن دولتهم تتعرض لتهديد خارجي.
وبصرف النظر عن مدى الاتفاق مع هذه القراءة أو الاختلاف معها، فإن الحرب أظهرت أن إيران لا يمكن التعامل معها كخصم يمكن إسقاط قدراته بضربة واحدة، وأن امتلاكها منظومة صاروخية وبنية عسكرية وشبكات نفوذ وقدرة على تهديد الملاحة يمنحها أدوات تأثير تتجاوز حدود أراضيها.
ومن هنا تحديداً يبدأ القلق الخليجي، فإذا انتهت الحرب من دون تفكيك القدرات الإيرانية التي كانت واشنطن وتل أبيب تستهدفها، فإن دول الخليج ستكون أمام إيران مختلفة عما كانت عليه قبل الحرب: دولة تكبدت خسائر عسكرية وبشرية ومادية كبيرة، لكنها أثبتت في الوقت نفسه قدرتها على امتصاص الضربة والرد، وعلى تحويل نقاط جغرافية حساسة، وفي مقدمتها مضيق هرمز، إلى أوراق قوة استراتيجية.
ومضيق هرمز هو السلاح الأكثر حساسية في هذه المعادلة، ومهما حاولت دول الخليج أن تبتكر طرقاً بديلة لتصدير النفط والغاز أو لاستيراد احتياجاتها، تبقى لهذا المضيق أهمية لا يمكن تجاوزها بالكامل، والأخطر من مجرد إغلاقه أو فتحه حالياً هو امتلاك إيران القدرة على تهديد حركة الملاحة فيه وتعطيلها متى قررت التصعيد، مع ما يعنيه ذلك من تأثير مباشر على اقتصادات الخليج وعلى أسواق الطاقة العالمية.
والمشكلة الخليجية لا تكمن فقط في احتمال نشوب أزمة جديدة حول هرمز، بل في السؤال الأوسع: ماذا سيكون شكل الأمن الإقليمي بعد الحرب؟
لقد كشفت المواجهة أن الاعتماد على المظلة الأميركية لا يعني بالضرورة أن كل دولة تحت هذه المظلة ستكون بمنأى عن الخطر، فالقواعد والمنشآت العسكرية الأميركية في المنطقة يمكن أن تكون في الوقت نفسه عناصر ردع، لكنها قد تتحول أيضاً إلى أهداف في أي مواجهة واسعة.
وهنا تبدو دول الخليج أمام معادلة شديدة التعقيد، لأنها من جهة، لا تستطيع الاستغناء عن الشراكة الأمنية مع الولايات المتحدة، ومن جهة أخرى، بات عليها أن تتعامل مع إيران باعتبارها جاراً جغرافياً دائماً، يمتلك قدرات عسكرية وصاروخية، ويتمتع بموقع استراتيجي يمنحه قدرة التأثير في أمن الخليج وممرات الطاقة.
كما أن الحرب أظهرت تبايناً في مقاربات دول مجلس التعاون الخليجي تجاه إيران، بين من يفضّل التفاوض والتهدئة، ومن يتخذ موقفاً أكثر تشدداً منها، وهذا التباين قد يصبح أكثر حساسية في مرحلة ما بعد الحرب، حيث ستحتاج دول الخليج إلى صياغة موقف جماعي يحمي مصالحها، بعيداً عن افتراض أن الحلول العسكرية الخارجية قادرة دائماً على إزالة مصادر الخطر. وفي هذا السياق، يصبح السؤال عن مستقبل الوجود الأميركي في الخليج أكثر إلحاحاً.
إذا اتجهت واشنطن إلى تخفيف وجودها العسكري أو إعادة توزيع قواتها بعد إعلانها تحقيق "النصر"، فإن دول الخليج ستكون مطالبة بإعادة حساباتها، ليس لأن الولايات المتحدة ستنسحب بالضرورة من المنطقة، إنما لأن شكل وجودها ودورها قد يتغيران وفقاً لنتائج الحرب وكلفتها.
وتزداد أهمية هذا السؤال عندما تتحدث تحليلات أميركية عن مخاطر الانسحاب من دون معالجة القدرات الإيرانية بصورة نهائية، لأن المشكلة في هذه الحالة، لا تكون في الانسحاب بحد ذاته، وإنما في ترك خصم خرج من الحرب وهو أكثر خبرة في التعامل مع الضربات، وأكثر وعياً بنقاط القوة والضعف لدى خصومه.
وهنا تعود "أبراهام لنكولن" إلى الصورة من جديد، نموذجاً لقوة أميركية يمكن إنهاكها، حتى وإن بقيت مُتفوِّقة، والحاملة التي دخلت المنطقة في واحدة من أطول مهماتها، ثم عادت إلى الولايات المتحدة وهي تحمل على هيكلها آثار أشهر طويلة من العمل، أصبحت رمزاً يتجاوز قصة الصدأ والتآكل، بل صورة لقوة عسكرية هائلة، لكنها ليست بلا حدود، ولقدرة أميركية كبيرة، لكنها ليست مجانية، ولحرب قد تنتهي بإعلان النصر سياسياً، فيما تبقى أسئلتها الاستراتيجية مفتوحة.
أما الخليج، فسيبقى في جوار إيران، وسيبقى مضيق هرمز في مكانه، وستبقى الصواريخ الباليستية الإيرانية قادرة على بلوغ دول المحيط، بعد أن كانت القواعد الأميركية جزءاً من معادلة الأمن.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي الذي تطرحه عودة "أبراهام لنكولن"، ليس عن مقدار الصدأ الذي أكل جوانبها، ولا عن اليأس الذي ضرب بعض عناصرها، بل عن مقدار التغيير الذي أصاب ميزان القوى في المنطقة خلال الأشهر الستة الماضية، والحرب مهما طالت، لا تنتهي بمجرد إعلان سياسي للنصر، كما أن الصدأ الذي يظهر على الحاملة يمكن إزالته بطبقات جديدة من الطلاء، أما الصدأ الذي يصيب الاستراتيجيات فلا تعالجه كل أعمال الصيانة.
العقاب الجماعي "الإسرائيلي" لتفكيك المجتمع المقاوم _ د. نسيب حطيط
"جبل عامل" لم ولن يسقط.. بل سيسقط الذين حاربوه أو خذلوه _ د. نسيب حطيط
من اليونيفيل إلى آلية التحقق.. استبدال تدريجي للقرار 1701؟ _ د. ليلى نقولا