أقلام الثبات
لست بوارد تقييم تصرف سائحة غير لبنانية صغيرة السن، تصرفت خلال زيارة مقام "سيدة لبنان" بطريقة غير لائقة مع جهل في الأصول بحضرة المقامات الدينية المقدسة.
مواقف اللبنانيين من مختلف الطوائف استنكرت الحادثة بما فيه الكفاية وصولاً إلى القضاء، لأن زوار مقام "سيدة حريصا" أو "محبسة القديس شربل" أو "ضريح القديسة رفقا" أو سواها من المزارات، لا تعني بالنسبة للبنانيين أنها حصراً مزارات مسيحية مقدسة، بل يزورها كل مَن يؤمن أن السماء هناك أقرب، واللقاء بالله أكثر دفئاً من أي مكان آخر، وعسى "سيدة لبنان" و"سيدة نساء العالمين" تلهمنا كلبنانيين أن ننتفض من أجل سيادة لبنان وكل حبة تراب فيه، لأن "سيدة لبنان" تطلب صلواتنا و"سيادة لبنان" تطلب أعمالنا.
قد تبدو الحادثة، للوهلة الأولى، مجرد فيديو عابر على إحدى منصات التواصل الاجتماعي، سرعان ما يختفي بين آلاف المقاطع التي تُنشر يومياً، لكن بعض الأمكنة لا تسمح بأن تكون مجرد خلفية لصورة أو مادة للترفيه، وبعض الرموز لا يمكن التعامل معها بمنطق عدد المشاهدات والتفاعل.
فـ"سيدة لبنان" ليست مجرد موقع سياحي مرتفع يطل على البحر، ولا مجرد معلم يمكن أن يضاف إلى قائمة الأماكن التي يقصدها السائح لالتقاط الصور.. إنها مقام للصلاة والتأمل، وموضع يحمل في وجدان اللبنانيين، مسيحيين ومسلمين، أكثر بكثير من حجارة وتمثال وإطلالة جميلة.
ولذلك، فإن احترام المكان المقدس لا يحتاج إلى أن يكون المرء من أبناء الطائفة التي ينتمي إليها المقام.. يكفي أن يكون إنساناً يعرف أن للآخر مقدساته، وأن ما قد يبدو له عادياً قد يكون بالنسبة إلى غيره جزءاً من إيمانه وذاكرته وكرامته.
لكن ما يستوقفني أكثر من الحادثة نفسها هو ما يمكن أن نتعلمه منها نحن اللبنانيين. نحن الذين نغضب حين يُمسّ مقام ديني، ونستنفر حين تُهان رموزنا ومقدساتنا، هل نستطيع أن نملك الغيرة نفسها عندما تُمسّ سيادة وطننا؟ وهل نعتبر الأرض اللبنانية، بكل حبة تراب فيها، مقدسة بالقدر الذي يجعلنا نرفض التفريط بها، كما نرفض الإساءة إلى مقام ديني؟
هنا يصبح السؤال أبعد من مقام "سيدة لبنان"، وأكبر من فيديو ومن سائحة أو مؤثرة على مواقع التواصل.
السيادة ليست شعاراً نرفعه في المناسبات، ولا كلمة نرددها عندما نختلف مع الآخرين.. السيادة هي أن يكون القرار اللبناني لبنانياً، وأن تكون الدولة صاحبة الكلمة، وأن يكون القانون فوق الجميع، وأن يشعر المواطن أن وطنه ليس ساحة مفتوحة لتجاذبات الآخرين ومصالحهم.
وكما أن للمقام حرمة لا يجوز تجاوزها، للوطن أيضاً حرمة.. وكما أن احترام المقدسات يحتاج إلى سلوك، فإن احترام السيادة يحتاج إلى أفعال.
ولعل في تسمية "سيدة لبنان" ما يكفي من الدلالة، فهي ليست فقط سيدة تطل على لبنان، بل رمز من رموز لبنان الذي عرف كيف يعيش، رغم كل انقساماته، بين أجراس الكنائس ومآذن المساجد، وبين تنوع الطوائف والمذاهب والمناطق.
ومن هنا، فإن رفض الإساءة إلى أي مقدس يجب ألا يتحول إلى إساءة إلى شعب أو دين أو جنسية، فالذين استنكروا الحادثة من حقهم أن يغضبوا، ومن حقهم أن يطالبوا بالمساءلة، لكن الغضب لا يحتاج إلى كراهية، والدفاع عن المقدسات لا يحتاج إلى إهانة مقدسات الآخرين.
وفي زمن أصبحت فيه الهواتف المحمولة قادرة على تحويل لحظة عابرة إلى قضية عامة خلال ساعات، تصبح المسؤولية أكبر على كل من يدخل مكاناً دينياً أو أثرياً أو وطنياً، فليس كل ما يصلح للنشر يصلح للتصوير، وليس كل ما يحقق المشاهدات يليق بالمكان.
أما الاعتذار فله مكانه، والمساءلة لها مكانها أيضاً؛ فالاعتذار يمكن أن يفتح باباً لتجاوز الإساءة، لكنه لا يعني أن الأماكن المقدسة بلا قواعد، كما أن المساءلة لا تعني تحويل حادثة فردية إلى خصومة مع شعب أو بلد أو دين.
وفي النهاية، ربما يكون المطلوب منا جميعاً أن نرفع مستوى النقاش من رد الفعل إلى التأمل.
فإذا كانت "سيدة لبنان" تستحق منا الاحترام لأنها مقام للصلاة، فإن لبنان نفسه يستحق منا الاحترام لأنه وطن.وإذا كنا نريد أن نحمي مقدساتنا من الإساءة، فعلينا أن نحمي وطننا من الاستباحة.
وإذا كانت "سيدة لبنان" تطلب صلواتنا، فإن "سيادة لبنان" تطلب أعمالنا.
ولعل الوقوف عند أقدام السيدة، ولو للحظات، يجب أن يجعلنا نتساءل: ماذا فعلنا نحن من أجل لبنان الذي نرفع اسمه على شفاهنا كل يوم؟ فالسيادة لا تُستعاد بالانفعال، ولا تُحمى بالمنشورات، ولا تُصان بالشعارات.
السيادة تبدأ عندما يصبح الوطن في وجداننا مقدساً، كما مقدساتنا، وعندما ندرك أن كل حبة تراب فيه ليست مجرد أرض، بل أمانة في أعناقنا للأجيال القادمة.
أميركا من الداخل.. و"السلام" المستحيل مع الخارج _ يونس عودة
هل ترسم حرب اليمن خريطة الشرق الأوسط الجديد؟ _ د. نسيب حطيط
الحوثيون.. من الجبال الصخرية إلى سواحل باب المندب _ أمين أبوراشد