أميركا ترامب... بين النكسة العسكرية والخيبة السياسية _ أمين أبوراشد

الثلاثاء 21 نيسان , 2026 02:44 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات

اعترف مدير وكالة الدفاع الصاروخي الأميركية؛ هيث كولينز، أن الولايات المتحدة استنزفت ترسانتها الصاروخية في الحرب على إيران، وأنها تحتاج سنوات لاستعادة مخزونها كما كان قبل هذه الحرب، بسبب الاستهلاك الجنوني للصواريخ الذي بلغ 850 صاروخ توماهوك وأكثر من 2000 صاروخ اعتراض خلال أسابيع قليلة، ما يعني إهدار مليارات الدولارات لمواجهة طائرات إيرانية بدون طيار كلفة الواحدة منها بضعة آلاف. 

تقارير عسكرية أشارت إلى وجود فجوة حادة في التكلفة بين الطائرات المسيَّرة الإيرانية وصواريخ الاعتراض الأميركية، حيث سُجِّلت حالات تم فيها استخدام عدد كبير من الصواريخ الباهظة الكلفة لإسقاط مسيَّرة واحدة، واستخدمت الولايات المتحدة في إحدى الوقائع 11 صاروخاً بقيمة إجمالية تصل إلى 44 مليون دولار لإسقاط طائرة واحدة من طراز "شاهد"، تتراوح قيمتها ما بين 20 و50 ألف دولار، وأن إيران انتصرت في هذه اللعبة الحربية، لدرجة أنها استنزفت أطنان ذخيرة أميركية وصهيونية رمت بها الطائرات المعادية على رسومات ومجسمات بلاستيكية لعتاد عسكري مُزيَّف.

وبصرف النظر عن وقف الحرب على إيران أو استئنافها في حال فشل مفاوضات إسلام آباد، فإن طلب إدارة ترامب من الكونغرس الموافقة على تمويل إضافي للأعمال الحربية بقيمة 200 مليار دولار، قوبل بالرفض المبدئي، وتدرس هذه الإدارة تخفيض قيمة الطلب إلى 100 أو 80 ملياراً لضمان موافقة الكونغرس، لكن يبدو أن الديمقراطيين يعارضون الحرب على إيران منذ بدايتها، وبالتالي يعترضون على زيادة تمويلها وتجيير هذه المليارات للتنمية الداخلية.  

عضو مجلس الشيوخ عن الحزب الديمقراطي؛ باتريسيا موراي، توجهت في جلسة علنية بعبارات اللوم والتوبيخ للرئيس الأميركي على انغماسه في هذه الحرب العبثية، ونقلت رفض الحزب الديمقراطي لهذه الحرب وقالت: إن صرف هذه المليارات على تدمير الجسور في إيران بلادنا أولى بها لبناء الجسور على أرضنا، وبناء المدارس في أميركا بدل تدمير المدارس في إيران، وتطوير القطاع الصحي في بلادنا أولى من التهديد بتدمير حضارة بلاد أخرى. 

بدورها، أطلقت الضابطة السابقة في الاستخبارات العسكرية الأميركية؛ جوزفين غيلبو، صرخة حق مختلطة بالدموع،  قلبت بها الطاولة على كل الخطابات الرسمية، بعدما اعترفت بشكل مباشر بأن ما تقوم به بلادها يندرج – وفق تعريفهم هُم – تحت بند "الإرهاب".
كلماتها لم تكن عابرة، بل جاءت كصرخة مدوية من داخل المنظومة نفسها، لتفتح باباً واسعاً من التساؤلات حول حقيقة ما يجري خلف الكواليس، وقالت: "بناءً على تعريفنا للإرهاب… نحن الإرهابيون، نحن الأشرار"، وهذا التصريح لم يكن مجرد نقد سياسي، بل اعتراف مباشر من شخصية خدمت داخل أجهزة مكافحة الإرهاب لسنوات طويلة، وهو ما يمنحه وزناً وخطورة استثنائية، خصوصاً أنه صادر من داخل المؤسسة العسكرية نفسها في الولايات المتحدة.
وأوردت "غيلبو" في تقرير مصوًّر قصة مدرسة “ميناب”، تلك الجريمة التي أشعلت الغضب، والأخطر في حديثها كان كشفها عن واقعة قصف تلك المدرسة للبنات، حيث أكدت أن القوات كانت تعلم تمامًا أن الهدف "مدرسة"، ومع ذلك تم استهدافها، ما أدى إلى ارتقاء عدد كبير من الأطفال، وقالت إن صواريخ توماهوك التي تم إطلاقها على المدرسة بها كاميرات متطورة جداً، ورأوا أنها مدرسة، وقصفوها أول مرة، فاختبأ الاطفال في حجرة الصلاة، ثم قصفوها بعد دقائق فمات كل الاطفال.. قالتها وهي تبكي بشدة، وتفاعل الشارع الأميركي بطريقة غير مسبوقة مع هذه الضابطة.

أما وقد انحدرت شعبية ترامب إلى 37% على خلفية حربه على إيران، فإن توقعات نتائج الانتخابات النصفية في تشرين الثاني المقبل تبدو ليست لصالح الحزب الجمهوري، وقد يخسر الأغلبية في مجلسي الشيوخ والنواب لصالح الخصم الديمقراطي، الذي قد يطالب بعزل ترامب وفق المادة 25 من الدستور (فقدان الأهلية للرئاسة) أو يرتضي ترامب بقضاء السنتين المتبقيتين من ولايته تحت سلطة كونغرس بغالبية ديمقراطية تحكم أداءه وتلجم تهوّره.
أخطأ ترامب في حساباته العسكرية من خلال تقييم جاهل لقدرات إيران، وأخطأ في حساباته السياسية منذ ولايته الأولى، وما زال يخطئ، سواء كان مدفوعاً من نتانياهو أو من سواه.

أخطأ ترامب عندما ألغى عام 2018 الاتفاقية النووية مع إيران من طرف واحد، وضرب بعرض الحائط كرامة دول كبرى كانت ضامنة لها، (خمسة زائد واحد)، ليعود في العامين 2025 و2026 إلى المربع الأول في التهديد والتفاوض.

وأخطأ ترامب في شن حرب الإثني عشر يوماً على إيران في شهر حزيران الماضي 2025، وكرر الخطأ في نهاية شباط 2026، عندما اعتقد أن اغتيال رأس النظام السيد علي خامنئي سيكفل سقوط هذا النظام، وبدل الأيام الأربعة التي أوهمه بها نتانياهو لسقوط النظام الإيراني، أمضى أربعين يوماً في التهديد والقصف والتدمير والقتل، وازداد النظام تماسكاً بفضل صمود الشعب الإيراني.

أخطأ ترامب بخسارة ثقة الاتحاد الأوروبي الذي حظر أجواءه على الطائرات الأميركية المعتدية على إيران، وحلف الناتو رفض بشكل قاطع أن يكون شريكاً بالعدوان، ولا حتى في فتح مضيق هرمز أو محاصرته، وباتت الحرب على إيران تعني فقط "أميركا ترامب" و"إسرائيل نتانياهو"، والغلبة تبدو لغاية الآن إيرانية.
وأخيراً وليس آخراً، أخطأ ترامب بإسقاط الهيبة الأميركية بعد نحو قرن من الهيمنة شبه الآحادية على العالم، وتساءل مراقبون: 
- إذا كان ترامب عاجزاً عن حماية قواعد بلاده في دول الخليج العربي، وحاملات طائراته من الإصابات بمسيرات إيرانية، فكيف له أن يبقى في هذه البلدان التي استضافت على مدى عدة سنوات 17 قاعدة أميركية لتحميها، وتبين لها أن هذه القواعد عاجزة حتى عن حماية نفسها، وأن دول الخليج في وارد البحث حالياً عن بدائل للوجود الأميركي؟ 
- إذا كان ترامب رغم القدرات الهائلة لبلاده التي يريدها "عظيمة مجدداً" قد انهزم أمام دولة حاصرتها أميركا لنحو نصف قرن، كيف له بعد إيران مواجهة الصين في تايوان، وروسيا في أوكرانيا، وكوريا الشمالية، لأي سبب كان؟ والجواب: سقطت الإمبراطورية البريطانية على ضفاف قناة السويس في مطلع الخمسينات بسقوط هيبتها، وليست مستبعدة أبداً بداية انهيار "الإمبراطورية الأميركية" على ضفاف مضيق هرمز.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل