أقلام الثبات
عبارة يرددها الرئيس الأميركي دونالد ترامب عند كل خيبة في المواجهة مع إيران: "لم يَقُلّ لي أحد هذا الشيء".. "لم يقل لي أحد أن هؤلاء الشيعة لديهم قدرات هائلة".. "لم يقل لي أحد أن النظام الإيراني متماسك إلى هذا الحد".. "لم يقل لي أحد أن إيران سوف تتجرأ وتضرب قواعدنا في الدول المجاورة".."لم يقل لي أحد إن هناك مدناً تحت الجبال لإنتاج وإطلاق الصواريخ".
وبعد، عندما قرر ترامب محاصرة موانىء إيران ومضيق هرمز بخمس عشرة بارجة وثلاث حاملات طائرات، منها واحدة عرجاء والثانية عوراء، ألم يقل له أحد، إن طول الحدود الإيرانية البحرية 2400 كيلومتر على الخليج العربي وخليج عُمان وبحر قزوين؟ ألم يقل له أحد أن حدود إيران البرية مع سبع دول تبلغ 5783 كيلومتر؟ ألم يقل له أحد أن إيران بمساحة قارة لديها اكتفاء ذاتي حتى ولو حاصرها 470 سنة وليس 47 سنة؟ وأخيراً، ألم يقل أحد لدونالد ترامب أنه إما غبي أو مجنون؟!
وإذ أعلنت إيران أن لديها خيارات متعددة لتصدير نفطها عبر منافذ نحو المحيط الهندي، فإن الصين التي تستورد 90% من النفط الإيراني لديها خطوطها الآمنة للسفن القادمة من إيران، وهي على المدى القصير لن تتأثر بتعديل المسارات البحرية، سيما وأنها تمتلك الإحتياطي النفطي الكافي، ولديها الطاقة البديلة للإستهلاك ضمن خطة "باء"، إضافة لما أعلنته وكالة فارس الإيرانية، أن ناقلات نفط وطنية قامت بنقل 11 مليون برميل عبر بحر عُمان نحو وجهاتها المعتادة منذ إعلان الحصار الأميركي.
لكن اللافت في حصار أميركا لمضيق هرمز، أن أوروبا "العطشى" للنفط ومشتقاته، رفضت مشاركة ترامب في مشاريع حصاره للمضيق، تماماً كما سبق لها أن رفضت استخدام القوة العسكرية "لتحرير" هذا المضيق من القبضة الإيرانية، والمواقف البريطانية والفرنسية والألمانية من مغامرات ترامب باتت طوقاً أوروبياً قاسياً عليه سيما وأن هذه الدول الكبرى هي ضمن (دول خمسة زائد واحد) التي شهدت على ولادة الإتفاقية حول الملف النووي الإيراني في عهد أوباما عام 2015 وأطاح بها ترامب في ولايته الأولى عام 2018، ليعود في العام 2026 ويعلن الحرب على النووي الإيراني وانتهى به الأمر الآن الى البحث عن مخرج يحرره من مواجهة إيران عبر المطالبة بفتح مضيق هرمز.
الموقف الإيطالي المتطابق مع المواقف الأوروبية من سياسات دونالد ترامب جاء متمايزاً لجهة الحدَّة في خطاب رئيسة الحكومة جورجيا ميلوني تجاه ترامب ونتانياهو معاً، وهي إذ علَّقت العمل بإتفاقية الدفاع مع إسرائيل على خلفية العدوان على لبنان، أعلنت من بداية العدوان على إيران عدم السماح للطائرات الحربية الأميركية بعبور الأجواء الإيطالية وقالت: إيطاليا ليست قاعدة خليجية لشن الحرب على إيران، واحتدم السجال بينها وبين ترامب أيضاً، نتيجة الإساءات التي ارتكبها بحق بابا الفاتيكان، وازداد خطابها تشدداً ضد ما ترتكبه "إسرائيل" في لبنان وما يفعله ترامب في عدوانه على إيران.
ولعل أهم ما أوردته ميلوني في معرض هجومها على ترامب قولها: "هناك تسع دول نووية في العالم، وليست هناك دولة تهدد باستخدام النووي سوى الولايات المتحدة"، وهذا التصريح من ميلوني وضع دول الإتحاد الأوروبي وحلف الناتو في موقع التقييم لجدوى التحالف مع أميركا التي تفتعل حروباً لا مصلحة لأوروبا أن تتورط بها.
في الجهة الإيرانية، حققت طهران نصراً بفرض وقف إطلاق النار في لبنان كشرط لاستئناف مفاوضات إسلام آباد مع أميركا، وما بين نهاية جولة المفاوضات الأولى في إسلام آباد، والجولة الثانية التي يهرول إليها ترامب، تتولى القيادة الباكستانية نقل الرسائل بين واشنطن وطهران،
فيما خرجت وكالة "تسنيم" الإيرانية بتقرير كما الزلزال بعنوان: هل انتهت الحرب الثالثة بهزيمة تاريخية لواشنطن وتل أبيب؟
تقرير مركز الدراسات الاستراتيجية في وكالة "تسنيم" قلب الطاولة بالكامل، متحدثاً عما اعتبره الانتصار الإيراني في الحرب المفروضة الثالثة.
التقرير ليس مجرد كلمات، بل هو جردة حساب قاسية لنتائج 40 يوماً غيَّرت وجه الشرق الأوسط للأبد.
ماذا حدث في كواليس القوة؟ وكيف غرقت أميركا في مستنقع الحسابات الخاطئة؟ يذكر التقرير أن الولايات المتحدة لم تخسر عسكرياُ فحسب، بل سقطت أخلاقياً ودبلوماسياً بدليل الحقائق التالية:
- أثبتت طهران أن اغتيال القيادات لم يهز أركانها، بل تحول حلم إسقاط النظام الذي خطط له الخصوم إلى واقع ترسيخ السيادة.
- إدارة إيران لمضيق هرمز واجهت تهديدات إعلامية، ثم تحولت بسرعة إلى حقيقة جيو-سياسية لا تملك القوة الأميركية خياراً سوى الاعتراف بها كجزء من قواعد التجارة العالمية.
- تصدُّع التحالف الغربي، حيث للمرة الأولى حدث الإنقسام الحاد: كندا وبريطانيا وإسبانيا يبتعدون عن نهج واشنطن الهجومي، وتركيا وجَّهت تهديدات مباشرة، مما وضع محور واشنطن-تل أبيب في عزلة دولية خانقة.
وفي قراءة تعكس حجم المأزق الذي تواجهه واشنطن، اعتبر وزير الخارجية الأميركي الأسبق أنتوني بلينكن أن الإدارة الأميركية تجد نفسها اليوم أمام مسار معقّد، يتراوح بين محاولة احتواء التصعيد مع إيران والبحث عن مخرج سياسي لا يبدو متاحاً بسهولة.
وفي مقابلة مع شبكة CNN، أشار بلينكن إلى أن التحركات الأميركية الأخيرة، رغم تحقيقها بعض النتائج الميدانية، لم تنجح في تحويل هذا التقدّم إلى مكسب استراتيجي، موضحاً أن ما تحقق حتى الآن "لا يتجاوز كونه نجاحاً تكتيكياً يقابله فشل استراتيجي".
وفي هذا السياق، لفت إلى أن الإدارة الأميركية وضعت نفسها خلال الأسابيع الماضية في موقع صعب، حيث باتت خياراتها محكومة بعاملين أساسيين: حساسية الأسواق العالمية لأي تصعيد، واستنزاف مخزون الذخائر، بما ينعكس مباشرة على القدرة الردعية لواشنطن، ليس فقط في المنطقة بل أيضاً في مواجهة قوى دولية كبرى.
هدنة الأيام العشرة... الأسباب والنتائج _ د. نسيب حطيط
"سُنّة لبنان"... بين الصمت ورفض التطبيع _ د. نسيب حطيط
السلطة تغامر بضرب "الصيغة" برمتها... وإسقاط "الطائف" _ حسان الحسن