الحكومة اللبنانية... ومغامرة "التطبيع - الفتنة" _ د. نسيب حطيط

الثلاثاء 21 نيسان , 2026 12:34 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات
تستمر الحكومة اللبنانية "برأسيها" اللذين يخضعان للتوجيه الأمريكي في تنفيذ المهمة المُوكلة اليها المحصورة بالقضاء على المقاومة وتوقيع صكوك استسلام وتطبيع وقرارات تنتهك السيادة، فيصبح العدو "الإسرائيلي" المحتل حليفاً، والمقاومة خارجة عن القانون ويجب نزع سلاحها، بناء على طلب "إسرائيل" وامريكا، دون الخوف من تداعيات هذه المغامرة التي يقومان بها، سواء كان دافعهم جهلاً سياسياً او عمالة مقصودة يُعاقب عليها قانون مقاطعة "إسرائيل" الصادر في 23 حزيران 1955، والذي "يمنع أي تعامل أو اتفاق مع هيئات أو أشخاص مقيمين في إسرائيل"، ولم يتم إلغاؤه بعد، مما يجعل كل المشاركين بالتواصل مع العدو "خارجين عن القانون"، ويجب محاكمتهم بجرم التعامل والخيانة.
إن توقيع اتفاقية سلام "مجانية" مع الاحتلال سيؤدي الى تشريعه وتبرئته من جرائمه وإشعال فتنة داخلية، لأن "السلام" مع "إسرائيل" لا يحوز على إجماع لبناني، فالشيعة يرفضون التطبيع و"السلام" مع العدو، واغلبية الطائفة السنية لا تؤيده، وكذلك الدروز، مع كثير من المسيحيين الوطنيين او المحايدين لا يؤيدون، وكذلك الأحزاب اليسارية، مع صمت لبعض الأحزاب القومية والناصرية.
يعتمد "الثنائي الأمريكي الحاكم" نهجاً قمعياً ومتعجرفاً وفق منظومة "الديكتاتورية المقنّعة"، ويتصرف "كسلطة انقلابية" فيقرر التطبيع و"السلام" مع العدو  خارج آليات النظام الديمقراطي ومؤسساته، وخارج "الميثاقية الوطنية" التي تفرض اجماعاً وطنيا في الأمور المفصلية والوطنية العامة، والتي تتعلق بهوية لبنان وتحالفاته وتحتاج لموافقة الحكومة ومجلس النواب واستفتاءً شعبياً، وممارسة التعسف السلطوي والقمع باعتقال المقاومين وقرارات الإرهاب الفكري بإسكات المغردين والموظفين، وتغيير "المصطلحات" في الإعلام الرسمي الذي احتكرته السلطة ومنعت لفظ "المقاومة"، عبر الاستقواء بالقصف "الإسرائيلي" والسفارة الأمريكية التي أفرغت السيادة من مفاهيمها الأساسية، ووضعت لبنان تحت الوصاية الأمريكية.
تحاول "إسرائيل" تأمين أمنها من داخل الأراضي اللبنانية، ومصادرة أمن اللبنانيين مباشرة أو بواسطة أجهزة الحكومة اللبنانية، وتأمين الاستقرار لمستوطناتها والعمل الآمن لمخابراتها ورجال أعمالها وتسليم الحكم الى عملائها، كما فعلت بعد اجتياح عام 1982.. فهل تستطيع سلطة "الثنائي الأمريكي الحاكم" تأمين هذه المطالب "الإسرائيلية"، وهي التي لا تملك القوة والقدرة على القضاء على المقاومة؟ 
إن ما تدعيه هذه السلطة من امتلاك قوة وهمية، عمادها الجيش والأجهزة الأمنية الرديفة، لأنه عند بدء الفتنة وأي صراع طائفي، لن تبقى موحّدة، وهذا ما حدث في الحرب الأهلية الأولى وفي انتفاضة شباط 1984 وما سيحدث مجدّداً إذا استمرت السلطة بمغامرتها والتي ستتحوّل إلى "دولة فاشلة" تفتش عن قوة تحميها، ويمكن أن أمريكا تدفعها لهذا الأمر لتسهيل وضع لبنان تحت الفصل السابع.
انطلاقاً من حرصنا على الوحدة الوطنية والسلم الأهلي، ولأن الفتنة ستصيب الجميع، ومن يعتقد أن الفتنة ستقطع رأس لطائفة الشيعية (بتهمة المقاومة) ويبقى في أمان فهو واهم، فلبنان عائلة واحدة ومصالح مواطنيه متشابكة ومشتركة، ولا يمكن عزل الفتنة داخل منطقة أو طائفة، كما يفعل العدو "الإسرائيلي" في حربه، فيحصر قصفه وتدميره بالطائفة الشيعية أو بالجغرافيا التي تسكنها أو حتى بالشقة التي تسكنها، لكن الفتنة الداخلية خلاف ذلك، وقد جرّبها اللبنانيون بالحرب الأهلية التي أشعلها "حلفاء إسرائيل" ويحاولون مرة ثانية خدمة لأسيادهم "الإسرائيليين"، رغم كل الخسائر التي أصابتهم، لكن البعض يغمض عينيه ويصم آذانه ويصر على أن يكون عبداً عميلاً "لإسرائيل"، حتى لو أحرق بيته وكنيسته وطائفته!
إن فرض التطبيع أو الاستسلام بالقوة لن يحقق الأمن لإسرائيل، بل سيقوّض أمن اللبنانيين، كما سيجرّد أمريكا وإسرائيل من إحدى أهم أوراق قوتهما في لبنان، والمتمثلة في هذه الحكومة ومؤسساتها الأمنية التي تسعى أمريكا و"إسرائيل" لتوظيفها كبديل عنهما في مواجهة المقاومة وفي حال حدوث ذلك، ستخسر "إسرائيل" الغطاء الحكومي الذي يشرعن احتلالها ويدعم مساعيها لنزع سلاح المقاومة، كما ستفقد أمريكا، الحكومة التي نصّبتها وستخسر حماية الجيش والمؤسسات الأمنية اللبنانية، ففرض التطبيع وإثارة الفتنة سيؤديان بالضرورة إلى تفكك الجيش وانهيار المؤسسات الأمنية، مما سيضطر أمريكا للتدخل المباشر لحماية سفاراتها ومصالحها، وخوض المواجهة ميدانياً إلى جانب الجيش الإسرائيلي، وهو ما سَيضاعف من خسائرهم و لتطال تداعيات الفتنة جميع اللبنانيين.
فليستيقظ المغامرون وليبادر العقلاء، وليتحرك النواب المقصّرون والقاصرون، لمحاسبة الحكومة وفق القانون وعلى وزراء 'الثنائي'، أن لا يكونوا كالشهود الدائمين لدى المخاتير وكُتّاب العدل، بعدما منحوا الشرعية،،لقرارات التطبيع والفتنة وإعدام المقاومة بمشاركتهم الصورية.
أيها اللبنانيون: الفتنة لا تقطع رأس طائفة، بل تحرق وطناً.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل