خاص الثبات
في زمنٍ تتعرض فيه الثوابت للاهتزاز، وتُطرح فيه التسويات على حساب الحقوق، تعود فتاوى العلماء لتكون مرجعًا حاسمًا يبدد الغموض ويضع الأمور في نصابها. وقد جاءت فتوى هيئة كبار العلماء في الأزهر الشريف واضحة وصريحة، حين قررت أن الصلح مع الاحتلال لا يجوز شرعًا، لما فيه من إقرار بالغصب واعتراف بيد المعتدي على ما اغتصبه من أرض وحقوق.
لم تكن هذه الفتوى رأيًا عابرًا، بل حكمًا مؤسسًا على أصول راسخة في الشريعة، يؤكد أن تمكين الظالم أو تثبيت عدوانه يدخل في دائرة المحرمات، وأن أي مسار يؤدي إلى ذلك، مهما تغيرت تسمياته، يبقى مرفوضًا. وقد شددت الفتوى على أن الواجب لا يقتصر على رفض هذا الواقع، بل يتعداه إلى عدم الإعانة عليه بأي شكل من الأشكال، سياسيًا كان أو اقتصاديًا أو حتى فكريًا.
ومن هذا المنطلق، يبرز اليوم سؤال حتمي لا يمكن تجاوزه، موجّه إلى سماحة مفتي الجمهورية في لبنان:
ما هو الموقف الشرعي من مسار التطبيع الذي يُطرح في الواقع السياسي، والذي يُنسب إلى توجهات يقودها رئيس الحكومة نواف سلام؟
هل يتوافق هذا المسار مع ما قرره علماء الأزهر الشريف من تحريم واضح لأي صلح يفضي إلى تثبيت الاحتلال وتمكينه؟ أم أنه يقع ضمن دائرة ما حذروا منه صراحة، باعتباره إقرارًا بالظلم ومساهمة في استمراره؟
إن الناس اليوم لا تبحث عن مواقف دبلوماسية أو إجابات عامة، بل عن كلمة صريحة تحدد الحكم الشرعي بوضوح:
هل يجوز الانخراط في أي شكل من أشكال التطبيع، مباشرًا كان أو غير مباشر، في ظل استمرار الاحتلال والعدوان؟
وهل يمكن تبرير ذلك تحت أي عنوان، مهما كان، دون الوقوع في مخالفة صريحة لما قرره العلماء؟
لقد أكدت فتوى الأزهر الشريف أن التعاون مع الجهات الداعمة للاحتلال لا يجوز شرعًا، لما فيه من إعانة على البغي، وأن موالاة المعتدي، بأي صورة كانت، تدخل في دائرة التحريم، سواء كانت بالدعم المباشر أو غير المباشر، بالرأي أو بالفعل. وهذا التشديد لا يترك مجالًا للالتباس، بل يضع حدودًا واضحة لا يجوز تجاوزها.
إن خطورة التطبيع لا تقف عند حدود السياسة، بل تمتد إلى تشكيل الوعي وتغيير المفاهيم، بحيث يُصبح الظلم أمرًا مقبولًا، والاعتداء واقعًا طبيعيًا. ومن هنا، فإن بيان الحكم الشرعي في هذه القضية ليس ترفًا، بل ضرورة، لحماية البوصلة الأخلاقية ومنع الانزلاق نحو تبرير ما لا يجوز.
وعليه، فإن المسؤولية اليوم تقع على عاتق المرجعيات الدينية في لبنان، وفي مقدمتها موقع الإفتاء، لإعلان موقف واضح لا يحتمل التأويل: هل الالتزام بما قرره العلماء من تحريم تمكين الظلم، أم تقديم اجتهاد جديد يُعلن بوضوح ويتحمل أصحابه مسؤوليته؟
فالقضية ليست سياسية فحسب، بل هي امتحان للثبات على الحق، واختبار لصدق الانحياز إلى العدل. وبين نصٍ شرعي واضح، وواقعٍ ضاغط، تبقى الكلمة الفصل للحق الذي لا يتغير، مهما تبدلت الظروف.
انهيار مفاوضات باكستان: السيناريوهات المحتملة _ د. ليلى نقولا
13 نيسان.. ذكرى تخريب "اليمين المسيحي" للبنان _ د. نسيب حطيط
إن لم يستطع الشيعة منع التطبيع... فلا تجوز مشاركتهم في إقراره _ د. نسيب حطيط