أقلام الثبات
تواجه الطائفة الشيعية على المستويين السياسي والعقدي، إشكالية جوهرية تتعلق بموضوع التطبيع و"السلام" مع الكيان الصهيوني، حيث إن الاعتراف "بإسرائيل" أو التعامل معها حرام شرعاً، ولا يجوز تحت أي عنوان سياسي أو حفظ النفس أو المصالح.
ناضل الشيعة وبقية الوطنيين اللبنانيين لمنع لبنان من الانزلاق والغرق في مستنقع التطبيع والسلام مع العدو "الإسرائيلي"، فأسقطوا اتفاق 17 أيار، وقدموا عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى من كل الطوائف والأحزاب الوطنية والإسلامية على مدى 70 عاماً، إلا أن الظروف الإقليمية تغيرت عقب انهيار الاتحاد السوفياتي وتغيّر موازين القوى العربية، فانحصر ثقل المقاومة المسلحة بالطائفة الشيعية منذ تحرير الجنوب عام 2000، وتبدل المشهد العربي والإسلامي بشكل جذري، فتلاشت شعارات "لاءات قمة الخرطوم الثلاث" (لا صلح، لا تفاوض، لا اعتراف) وحل محلّها (نعم للسلم ، نعم للتفاوض ، نعم للاعتراف)، ومع سقوط العديد من أنظمة الممانعة وانحسار القوى اليسارية والقومية لصالح صعود الجماعات الإسلامية التكفيرية وإعادة المقاومة الفلسطينية المسلّحة إلى نقطة الصفر كما كانت قبل انطلاقتها عام 1965 بعد أحداث غزة الكارثية، وتغيرّت بوصلة معظم القوى السياسية اللبنانية نحو تأييد "السلام" والتطبيع مع الاحتلال، وفق نهج الاستسلام المجاني، فبقيت قوى المقاومة من الطائفة الشيعية في ساحة القتال، ولم يبقَ غير الشيعة وبعض الأحزاب والشخصيات الوطنية يرفضون المفاوضات المباشرة والتطبيع مع العدو "الإسرائيلي"، ويواجهون إشكاليات كبرى ومنها:
- أولاً: كيفية الحفاظ على الموقف العقدي والسياسي الرافض للاعتراف "بإسرائيل" أو السلام معها، مع وجود أغلبية لبنانية في مجلس الوزراء والمجلس النيابي والأحزاب، تتسابق لتقديم التنازلات المجانية للاحتلال، سعياً وراء صكوك النجاة والعمالة والمصالح، ولأول مرة تتوحّد رئاستا الجمهورية والحكومة في موقف مناهض للمقاومة وداعم للتطبيع والسلام المجانيين اللذين تستجديهمل الحكومة من عدو متوحش لا يعترف بالقوانين.
- ثانياً: التردد والارتباك الذي يحكم مواقف "الثنائية الوطنية الشيعية" حول تفسير او تبرير بقائها ضمن حكومة تتخذ قرارات ضد المقاومة وتشرع في مفاوضات مباشرة مع الاحتلال، وقد تفضي إلى التطبيع و"السلام"، مما يضعهم أمام مسؤولية الشراكة في قرارات لا يمكن التنصل منها، فثمة تناقض بين التمسك بالموقف العقدي والسياسي التاريخي، وبين الاستمرار في حكومة توقع على اتفاقيات السلام والتطبيع، مما يمنحها شرعية ميثاقية ودستورية وتبرير عدم الاستقالة من الحكومة، بسبب الخوف من إمكانية تعيين وزراء شيعة بدلاء، يضمنون استمرار تلك الشرعية، فتخسر "التائية" السلطة والشراكة في القرار، مع انها لم تستطع منع أي قرار ضد المقاومة، بل أمّنت شرعية القرارات بحضورها.
- ثالثاً: مدى القدرة على التصدي ومنع التطبيع، بعد كل التضحيات من آلاف شهداء، وتدمير القرى وتهجير الطائفة، وخسارة الأرزاق والأموال التي جمعوها منذ أكثر من 50 عاماً، بين نهب المصارف ودمار العدوان، مما أوصل الطائفة إلى الإفلاس الاقتصادي والعيش في دوامة النزوح والتهديد بمنع العودة والإعمار، والسؤال: هل واجب الشيعة منع التطبيع، حتى بعد استنزاف قواهم العسكرية، وحشد الرأي العام اللبناني والعربي والعالمي ضدهم، استناداً للقاعدة الشرعية في الأمر بالمعروف، الذي يتمثّل بمقاومة العدو "الإسرائيلي" ورفض الاعتراف به أو السلام معه؟
والجواب الشرعي والأخلاقي: إذا تعذّر على الشيعة منع التطبيع من باب «الأمر بالمعروف» لضعف القدرة، فإنهم قطعاً لا يملكون مبرراً لدخول باب «المنكر» المتمثل في القبول بالاعتراف والسلام، فإذا كان الأمر بالمعروف خاضعاً لقدرة المُكلّف وموقعه، فإن تجنّب المنكر واجب حتمي لا خيار فيه ولا نقاش، أي عدم المشاركة في قرار التطبيع، وهو النهج الذي سار عليه الأئمة (عليهم السلام) الذين لم يستطيعوا تقويض السلطات القائمة آنذاك، لكنهم لم يمنحوها شرعية دينية، ولم يكونوا جزءاً منها.
ان موضوع التطبيع والاعتراف "بإسرائيل" مسألة لا يمكن لأي فتوى او اجتهاد سياسي او قرار حزبي او قرار دولة ان يتقدم على النص القرآني او يخالفه، وكل حزب أو تنظيم يوافق عليه فإنه مسؤولٌ أمام الله سبحانه، "قيادة وافرادا"، وكل عالم دين يقف على الحياد أو يؤيد ولا يرفض التطبيع فهو شريك في مخالفة النص القرآني: (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا)، (وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ).
انتبهوا.. لا تلوّثوا التاريخ الشيعي بعار الاعتراف "بإسرائيل".. ولا تهدروا التضحيات.. ولنبق على النهج الحسيني “ومثلي لا يبايع مثله"... ومثلنا لا يعترف "بإسرائيل"، ولو اعترف كل العالم بها.
إن لم يستطع الشيعة منع التطبيع... فلا تجوز مشاركتهم في إقراره _ د. نسيب حطيط
الأحد 12 نيسان , 2026 12:30 توقيت بيروت
أقلام الثبات
ميلانيا ترامب حاولت القفز من "القارب".. والبقية تأتي _ أمين أبوراشد
اتفاقية قاليباف فانس لرسم "الشرق الأوسط الجديد" _ د. نسيب حطيط
بيروت، مدينةُ خالد علوان، كانت وستبقى عرينَ المقاو.مة ـ محمد دياب