اتفاقية قاليباف فانس لرسم "الشرق الأوسط الجديد" _ د. نسيب حطيط

السبت 11 نيسان , 2026 01:24 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات
بعد سبعين عاماً من المواجهة بين القوى القومية والوطنية العربية مع المشروع الأمريكي - الغربي - "الإسرائيلي"، وبعد اربعين عاماً من المواجهة بين قوى المقاومة الإسلامية بقيادة الجمهورية الإسلامية في إيران، بالتلازم مع  استسلام  العرب باتفاقيات السلام والتطبيع مع "إسرائيل"، وبعد الانتصارات التي حققها التحالف الأمريكي - "الإسرائيلي" منذ معركة "طوفان الأقصى"، وسيطرته على منطقة "الشرق الأوسط"، مع بقاء بعض ساحات المقاومة المحاصرة والمحدودة على مستوى الجغرافيا في لبنان والعراق واليمن وإيران، والمحدودة على مستوى المذاهب والطوائف، وانحصارها بالشيعة من العرب والفرس، بادر التحالف الأمريكي - "الإسرائيلي" لشن هجومه الأخير على إيران بضربة خاطفة، فاغتال المرشد وقيادات إيران، لإسقاط النظام، تمهيداً لإعلان "الشرق الأوسط" تحت السيادة الأمريكية، ولفرض "السلام بالقوة"؛ وفق شعار ترامب، ولتأسيس "دولة إسرائيل الكبرى" من النيل الى ما بعد الفرات، وتعميم "الديانة الإبراهيمية" بدلياً عن الإسلام والمسيحية، لكن إيران استطاعت استيعاب الضربة والصمود وإفشال الهجوم، بالشراكة مع  قوى المقاومة اللبنانية والعراقية، فاضطرّت أمريكا لخيار التفاوض واعلاان هدنة، لتقليل الخسائر وإعادة التحضير للجولة القادمة من الحرب وفق ما تحتاجه من وقت، إلا إذا اكتفت بما حقّقته من انتصارات وغنائم، والعمل على تذويب قوى المقاومة بالحرب الناعمة والحصار الاقتصادي عبر الانظمة التابعة، والفتن الطائفية والقومية، والمراهنة على إسقاط النظام الإيراني من الداخل، بعد فشل محاولاتها السابقة. 
إن المفاوضات الأمريكية -الإيرانية بعد 47 عاماً من الصراع والمواجهة، تشكل محطة استثنائية ومفصلية على مستوى المنطقة للأسباب التالية:
أول مفاوضات مباشرة على المستوى السياسي، بعدما كانت اللقاءات الماضية "تقنية" بمشاركة دول أخرى، لمناقشة الملف النووي الإيراني.
مفاوضات لرسم المشهد السياسي لمنطقة "الشرق الأوسط"، إما بقبول إيران كشريك، أو قبول أمريكا ببقاء إيران وقوى المقاومة في موقعها، وفق مقايضة تقوم على عدم مواجهة قوى المقاومة بالمشروع الأمريكي خارج ساحاتها، مقابل رضا وقبول أمريكا بالحكم الذاتي السياسي والعقائدي لقوى المقاومة.
هندسة مناطق النفوذ ومحدّدات حرية الحركة للطرفين، باختلاف المصطلحات والنوايا، مع وحدة الهدف، بالتهدئة والتزام الهدنة العسكرية، فمن وجهة النظر الأمريكية هي مفاوضات لإحلال "السلام" الشامل في المنطقة، وتحييد العمل العسكري في الصراع، بينما هي من وجهة النظر الإيرانية تثبيت "عدم الاعتداء" بين محور المقاومة وأمريكا، حيث تعتبر إيران هذا الأمر ربحاً استثنائياً، لأن أمريكا هي الطرف المعتدي تاريخياً، وإيران ومحور المقاومة في موقع الدفاع وليس الاعتداء، حتى ضد العدو "الإسرائيلي".
إن المفاوضات الأمريكية - الإيرانية، والتي يمكن أن ينتج عنها اتفاقية "قاليباف - فانس"، بديلاً عن اتفاقية "سايكس - بيكو" الفرنسية - الإنجليزية، و بمستوى أقل، والتي سينتج عنها سقوط الشرق الأوسط بكل دوله وكياناته وثرواته بيد أمريكا، وتحييد إيران وقوى المقاومة عن "السقوط المؤقت"، مادامت تمتلك القوة والقدرة على الدفاع عن النفس ومنع أمريكا من الانتصار، بانتظار أن تشن أمريكا و"إسرائيل" جولة جديدة من الحرب الناعمة أو الساخنة لاستكمال سيطرتهما على المنطقة، وللتحكم بالعالم بواسطة النفط والغاز وحركة الملاحة التجارية، فمن يملك مفتاح الشرق الأوسط يملك العالم، كما استفادت إيران من مضيق هرمز الذي استطاعت بواسطته بالتلازم مع صمودها وقوى المقاومة فرض شروطها، أو على الأقل تخفيف الشروط الأمريكية، وجرها إلى المفاوضات، والاعتراف بها كشريك لرسم المنطقة، بعدما مات العرب سياسياً وثقافياً وعقائدياً، وسلبتهم أمريكا ثرواتهم وجردتهم من استقلالية القرار والكرامة. 
لم تنتهِ الحرب ولن تنتهي بشكل كامل، بل نحن أمام محطة تفاوض يمكن أن تؤدي إلى هدنة طويلة، إذا قبلت أمريكا ببقاء قوى المقاومة وإيران في هذه الفترة، بانتظار محاولاتها الجديدة للقضاء عليها، فأمريكا لا تلتزم بالاتفاقات ولا بالقوانين الدولية ولا الأخلاقيات الإنسانية، بل لا تزال تعيش ضمن منظومة "الكاو بوي والقرصان واللص القوي".
 يحق لإيران وقوى المقاومة أن يفاخروا بإنجازاتهم، بعدما استطاعوا الصمود أمام أمريكا العظمى و"إسرائيل" المتوحشة، وفرضوا أن يدخلوا خيمة التفاوض كطرف قوي وليس كطرف استدعته أمريكا للتوقيع على الاستسلام وفق شروطها.
التحية والسلام للمقاومين الشجعان الذين استطاعوا تعويض عدم توازن القوى العسكري، بالإرادة والإيمان والشجاعة، والتحية لأهل المقاومة الصابرين الشجعان والشرفاء... والعار للمتآمرين والعملاء.. ولا عذر للمحايدين.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل