إبادة بيئية في الجنوب: العدو يسرق الزيتون!

السبت 08 آب , 2026 08:48 توقيت بيروت مقالات مختارة

الثبات ـ مقالات مختارة

«هذا الخريف، وللمرة الأولى منذ 250 عاماً، لن تجني عائلتي الزيتون في لبنان». بهذه الكلمات اختصر ابن بلدة زوطر الشرقية أحمد شمس الدين مأساة لم تعد تقتصر على تدمير المنازل أو تجريف الأراضي، بل امتدّت إلى اقتلاع الذاكرة نفسها من جذورها. ويضيف: «لقد اقتلعت القوات الإسرائيلية أشجارنا من الأرض وأخذتها. وعلى مدى قرنين ونصف قرن، اشترت عائلتي الأراضي ولم تبع منها متراً واحداً. نحن لا نبني على الأرض، بل نغرس فيها». ويؤكد أن اقتلاع شجرة زيتون يتجاوز عمرها 500 عام «يتطلّب جرّافات وخبرة وشاحنات، وعملية مقصودة، وليس مجرّد أضرار ناجمة عن الحرب»، مشدّداً على أن المنطقة التي اقتُلعت منها الأشجار «لم يكن فيها أسلحة أو مقاتلون أو أي وجود عسكري».

وتفتح هذه الشهادة الباب أمام واحدة من أخطر الجرائم التي شهدتها البلدة، في محاولة لاقتلاع إرث عمره مئات السنين ومحو أحد أبرز رموز الهوية الزراعية في الجنوب، إذ لم يكتفِ الاحتلال الإسرائيلي بتدمير وتفجير عدد كبير من المنازل والوحدات السكنية والبنى التحتية في زوطر الشرقية، بل صعّد اعتداءاته باقتلاع نحو 600 شجرة زيتون، في خطوة تحمل في الوقت نفسه سمات إبادة بيئية مُمنهجة. فاقتلاع أشجار الزيتون يأتي استكمالاً لسياسة تهدف عملياً إلى تحويل المناطق المحتلة إلى «أرض ميتة». وتكتسب هذه الجريمة خطورة خاصة في بلدة تضم أكثر من 15 ألف شجرة زيتون مُعمّرة يعود عمر بعضها إلى مئات السنين، وتشكّل مصدر رزق أساسياً لعدد كبير من أهالي الزوطرين، فضلاً عن كونها جزءاً من هوية المنطقة وإرثها التاريخي.

ويعيد متابعون من أهالي زوطر الشرقية بداية هذه الجريمة إلى التوغّل البري الإسرائيلي في البلدة قبل نحو ثلاثة أشهر، حين عمدت آليات الاحتلال إلى تجريف الطرقات والأراضي الزراعية وتخريب الممتلكات العامة والخاصة، قبل أن تبدأ عمليات متفرّقة لاقتلاع أشجار الزيتون وسرقتها، ولا سيما بعد وقف إطلاق النار. إلا أن الصور الجوية المُلتقطة بعد 20 تموز الماضي كشفت عن أكبر عملية من نوعها، تمثّلت باقتلاع نحو 600 شجرة زيتون من وسط البلدة.

اقتلاع أشجار الزيتون المُعمّرة تفكيك لمنظومة متكاملة من الوظائف البيئية والإنتاجية والاجتماعية، ما يرفع كلفة العودة ويضرب مقوّمات بقاء المجتمعات المحلية

ويؤكد العارفون بالمنطقة أن اقتلاع الأشجار لم يكن نتيجة أعمال قتالية، بل عملية مُنظّمة نُفّذت بواسطة آليات ثقيلة اقتلعت الأشجار من جذورها، وهي جريمة تضاف إلى قيام الاحتلال سابقاً بإحراق عدد من أشجار الزيتون في مزرعة الحمرا التابعة للبلدة. ورغم عدم امتلاك الأهالي دليلاً قاطعاً على نقل الأشجار إلى داخل الأراضي المحتلة، فإن تحليل الصور الجوية يُظهِر اختفاءها تماماً من مواقعها، ومن الأراضي المجاورة أيضاً، ما يعزّز فرضية نقلها خارج لبنان، ولا سيما في ظل «سوابق» مماثلة وثّقتها كاميرات مستوطنين إسرائيليين خلال العامين الماضيين في قرى حدودية جنوبية.

زيتونات عائلة شعيتاني

لم تقتلع الجرافات الإسرائيلية أشجار الزيتون من أرض زوطر الشرقية فحسب، بل اقتلعت معها جزءاً من ذاكرة عائلات ارتبط تاريخها بهذه الأرض على مدى قرون. فالكروم المُستهدفة تعود إلى عائلات شعيتاني وشمس الدين وزين الدين ويونس وعنيسي وحرب وغيرها. بالنسبة إلى عدنان شعيتاني، الذي يقع حقله ضمن المساحة المُجرّفة، كانت صدمة اختفاء نحو مئة شجرة زيتون أكبر من وقع تدمير منزله. يقول: «كرم الزيتون عمره ثمانية أجيال على الأقل. هو ذكريات جدّي وأبي، وكان جنّتي ومصدر رزقي». ويرى أن اقتلاع الأشجار وسرقتها يندرجان ضمن «خطة للضغط على أهالي الجنوب عبر حرمانهم من أحد أهم مصادر عيشهم وأسباب بقائهم».

أمّا ابنه إبراهيم، الذي ورث الأرض عن والده، فيؤكّد أن «الزيتون بالنسبة إلينا ليس مجرّد محصول زراعي، بل هو رمز للهوية والصمود والانتماء». ويضيف: «ورثت عن والدي عدنان مئة شجرة زيتون مُعمّرة، وهو ورثها عن جدّي حسين، الذي ورثها بدوره عن جدّي الأكبر إبراهيم». ويعتبر أن «اقتلاع كروم الزيتون وسرقتها لا يعنيان إلا قتلنا مرتين: مرة بآلة الحرب، ومرة بمحاولة محو تاريخنا. لكن لن يقتلوا عزيمتنا. سنعود إلى أرض الأجداد، وسنعيد غرس الزيتون وسقايته ورعايته».

سنُعيد زرعها

لم تكن خسارة صلاح شمس الدين مجرّد فقدان نحو 120 شجرة زيتون من أرضه الواقعة ضمن المساحة التي جرفها الاحتلال، بل كانت خسارة جزء من ذاكرته العائلية. فالحقل المُمتدّ خلف منزل والده، المربّي الراحل عبد الكريم شمس الدين، «تحوّل إلى ملعب رملي بعدما جرفوا كل شيء»، معتبراً أن هذا النوع من الاعتداء «لا يستهدف الأشجار فقط، بل يحاول ضرب الذاكرة وكل ما يرمز إلى الانتماء والتشبّث بالجذور». يستعيد شمس الدين علاقة عائلته بالزيتون قائلاً: «كبرنا نحنا والزيتونات سوا. كل واحد فينا صار عنده عيلة، لكنّ الزيتونات كانت تجمعنا كل موسم. واللي ما بيعرف شو يعني لمّة العيلة بموسم الزيتون، ما بيعرف شو يعني بركة الأرض وقيمة الزرع». ويشير إلى تزامن اقتلاع الأشجار مع ذكرى رحيل والدته التي «غرست الزيتون بيديها، وسقته من تعبها وحبها وحنانها». ويختم مؤكداً أن ما جرى لن يكون نهاية الحكاية: «لأجلها، ولأجل لمّة العائلة من جديد، راجعين نزرع الزيتون».

الجذور والهويَّة

لطالما شكّلت كروم الزيتون في زوطر مصدر رزق أساسياً لعدد كبير من العائلات، وكانت تغطّي نحو خُمس مساحة البلدة، بما يزيد على 500 دونم. ويشير عماد جابر، أحد مزارعي البلدة، إلى أن زيتون زوطر ينتمي إلى «الصنف البلدي المعروف بحبّته المميزة، وهو جزء لا يتجزأ من منظومة الحياة في البلدة».

في زوطر، كما في القرى الجنوبية المجاورة، يسود عُرف راسخ مفاده أن «لا أحد يقتلع شجرة زيتون من أرضه مهما كانت الأسباب»، يقول عباس ياغي، أحد أبناء البلدة الذي اقتلع الاحتلال عدداً من أشجاره قرب منزله. ويرى رئيس المجلس البلدي محمد إسماعيل أن الاحتلال يستهدف من خلال اقتلاع الأشجار «قطع صلة الوصل مع التاريخ والأجداد ومع الحياة نفسها». ويشير إلى أن شجرة الزيتون تختزن «التراث والتاريخ وذكريات الأجيال». ورغم إدراكه أن اقتلاع الزيتون سيزيد الأعباء على أبناء البلدة بعد عودتهم، يؤكد إسماعيل «أننا سنعيد الحياة إلى زوطر، وبدل الشجرة سنزرع عشراً».

استهداف مقوِّمات البقاء

لا يمكن فصل ما جرى في زوطر الشرقية عن المشهد الأوسع للتدمير البيئي الذي يتعرض له جنوب لبنان. ووفق الناشط البيئي هشام يونس، قد تبدو كل حادثة بمعزل عن غيرها مجرد اعتداء منفرد، من اقتلاع أشجار أو إحراق أحراج أو تجريف أراضٍ زراعية أو تدمير موائل طبيعية، «لكن جمع هذه الوقائع مكانياً وزمنياً، مع استمرار استهداف أعداد كبيرة من الأشجار، ولا سيما المعمّرة منها، كل ذلك يجعل الضرر تراكمياً: نفقد الغطاء النباتي والموائل والوظائف المرتبطة بها على نطاق أوسع، ويتزايد الضغط على التنوّع البيولوجي وعلى قدرة النظام الزراعي والبيئي على الصمود والتجدُّد». ويرى يونس أن خطورة هذا النمط من الاعتداء «لا تكمن في استهداف المكان بمظهره المادي فقط، بل في ضرب قدرته على إنتاج الحياة واستمرارها».

ويصف ذلك بأنه «تسليح للبيئة والزراعة»، أي تحويل تدمير عناصرهما ووظائفهما إلى أداة من أدوات الحرب والضغط على المجتمعات المحلية. ويوضح أن إقدام العدو على اقتلاع أشجار الزيتون المُعمّرة «لا يعني خسارة محصول أو مورد زراعي فحسب، بل تفكيك منظومة متكاملة من الوظائف البيئية والإنتاجية والاجتماعية التي تراكمت حول الأرض عبر عقود وأجيال. وتكرار هذا النمط على نطاق واسع يستنزف قدرة السكان على الإنتاج والتعافي، ويرفع كلفة العودة وإعادة بناء سبل العيش، بما يهدّد استمرارية علاقة الناس بأرضهم ويدفعهم إلى البحث عن بدائل، وهو ما يعني عملياً ضرب مقوّمات بقاء المجتمعات المحلية».

الأولويّة لتوثيق قانوني بيئي مُتكامِل

لا يعلّق أهالي زوطر الشرقية وأصحاب الأراضي التي تعرّضت لاقتلاع أشجار الزيتون آمالاً كبيرة على أي مسار قانوني قد يُفتح لمتابعة هذا الملف، نظراً إلى التعقيدات التي تحيط به ومحدودية التأثير في ظل خضوع بعض المنظمات الدولية لتوازنات الدول الداعمة وسياساتها المنحازة للاحتلال. ومع ذلك، يرى معنيون بالمسارات القانونية أن الأولوية في المرحلة الحالية يجب أن تكون لبناء ملف توثيقي متكامل، قانونياً وبيئياً، يشمل تحديد مواقع الأضرار وإحداثياتها، وتوثيق الأشجار والأراضي قبل الاعتداء وبعده، بالاستناد إلى صور الأقمار الاصطناعية والصور والفيديوات الميدانية، إضافة إلى شهادات أصحاب الأراضي، وإثبات الملكيات، وتقدير أعمار الأشجار وقيمتها الإنتاجية، ورصد نمط التدمير في مختلف القرى الجنوبية.

فالقيمة القانونية لما جرى في زوطر الشرقية لا تقتصر على إثبات اقتلاع مئات الأشجار، بل تكمن في القدرة على ربط هذه الحادثة بسلسلة اعتداءات مماثلة، لإثبات ما إذا كان الأمر يتعلق بحوادث منفصلة أم بنمط منهجي يستهدف البيئة والأراضي الزراعية ومقوّمات بقاء المجتمعات المحلية. ويشدّد هؤلاء على أن المطلوب من السلطات اللبنانية تجاوز الاكتفاء بإدانة الاعتداءات سياسياً وإعلامياً، والعمل على إنشاء ملف وطني مهني للتدمير البيئي والزراعي، يتم تحديثه بصورة مستمرة، ويستند إلى أدلة علمية وقانونية موثّقة وفق المعايير المُعتمدة، بما يتيح استخدامه مستقبلاً أمام أي جهة قضائية أو تحقيق دولي.

فراس خليفة


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل