قراءة في تصريحات توم برّاك والانتقادات حولها _ د. ليلى نقولا

الإثنين 24 آب , 2026 09:58 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات
أثارت تصريحات المبعوث الأميركي توم براك، التي اعتبر فيها أن "أي تسوية جدية في لبنان لا يمكن أن تتم من دون إشراك حزب الله وإيران"، جدلاً واسعاً في لبنان. تعكس هذه التصريحات الإطار الذي يحكم المقاربة الأميركية خلال الأزمات أي البراغماتية التي تدعو اليها المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية.

تنطلق المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية، من فرضية بسيطة مفادها أن القوة هي العنصر الحاسم في السياسة، وأن الدول والفاعلين السياسيين لا يتصرفون وفق المبادئ أو الشرعية القانونية، بل وفق موازين القوى الفعلية على الأرض. ومن هذا المنظور يصبح السؤال الأساسي ليس: من يملك الشرعية؟ بل: من يملك القدرة على التأثير في النتائج؟

وعليه، عندما سأل توم براك: "كيف ستُحل المشكلة إذا لم يكن حزب الله وإيران مشاركين"؟ كان يعبّر بصورة تكاد تكون نموذجية عن هذا المنطق الواقعي. هو لم يتحدث عن الشرعية الدستورية للسلطة اللبنانية، بل عن "بنية القوة الفعلية" في لبنان (وهو ما عاد وأكد عليه لاحقاً في توضيحه اللاحق) أي أنه انطلق من افتراض أن أي تسوية لا تأخذ بالحسبان الجهات القادرة فعلياً على التأثير في مسار الأحداث ستكون تسوية غير قابلة للحياة، بغض النظر عن مدى انسجامها مع الاعتبارات القانونية أو السياسية المتعارف عليها.

وكما هو متوقع، صدرت العديد من الانتقادات لهذا الخطاب في لبنان، لكن المفارقة أن بعض ردود الفعل اللبنانية والانتقادات تنطلق من مقاربة معروفة ومجربة في الحياة السياسية اللبنانية، تقوم على الاعتقاد بأن التحولات الإقليمية والدولية قد تسمح بإعادة صياغة موازين القوى الداخلية بشكل جذري وتنهي الخصوم الداخليين، مع العلم أن التجارب التاريخية اللبنانية تظهر أن محاولات إقصاء مكونات أساسية من النظام السياسي غالباً ما أدت إلى إنتاج أزمات جديدة بدل إنتاج استقرار مستدام، وأن لا أحد ينتهي ويختفي، ومَن يعتقد بانتهائه غالباً ما يعود أقوى من قبل.

في المحصلة، لا تكمن أهمية تصريحات توم براك في موقفه من حزب الله أو إيران بحد ذاتهما، بل في ما تكشفه عن طريقة تفكير أميركية تقوم على قراءة موازين القوى كما هي لا كما يرغب الآخرون أن تكون، وهو ما عبّر عنه الرئيس دونالد ترامب مراراً بأنه سيتكلم مع حزب الله. فمن منظور واقعي، لا تُبنى التسويات على تجاهل القوى القادرة على التأثير، بل على إدراك حجمها ودورها الفعلي في المعادلات القائمة.

أما الجدل الذي أثارته تصريحات براك في لبنان فيفتح الباب أمام سؤال أكثر أهمية من التصريح نفسه: لماذا أثار الحديث عن ضرورة أخذ حزب الله وإيران في الاعتبار هذا القدر من الاعتراض، فيما لم يثر الحديث عن إعطاء دمشق دوراً في الملف اللبناني أو الاستعانة بالقوات السورية لنزع سلاح حزب الله القدر نفسه من الرفض؟

هذه المفارقة تكشف أن جانباً كبيراً من الاعتراضات اللبنانية لا يرتبط بمبدأ التدخل الخارجي أو برفض تأثير القوى الإقليمية في الشأن اللبناني، بل بهوية الجهة التي تمارس هذا التأثير، فلدى بعض اللبنانيين يكون التدخل مرفوضاً عندما يخدم خصوماً سياسيين، ومقبولاً أو قابلاً للتبرير عندما يخدم حلفاء أو ينسجم مع الرغبات السياسية لبعض الأطراف.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل