عذراً سماحة المفتي حسون .. خذلك الأئمة وأنتهت العدالة ـ محمد دياب

الإثنين 24 آب , 2026 04:30 توقيت بيروت أقلام الثبات

خاص الثبات

ليس المطلوب اليوم أن نُصدر حكماً بديلاً عن المحكمة، ولا أن نزعم أن سماحة المفتي أحمد بدر الدين حسون فوق المساءلة أو فوق القانون. المطلوب، ببساطة، أن نسأل السؤال الذي يجب أن يبقى حاضراً في كل محاكمة، مهما كان اسم المتهم ومهما كانت الحقبة التي يُحاكم عليها: هل كانت العدالة هي الغاية، أم أن المحاكمة تحولت إلى وسيلة لتصفية الحساب السياسي؟

اليوم صدر بحق المفتي العام السابق للجمهورية العربية السورية أحمد بدر الدين حسون حكم بالسجن المؤبد مدى الحياة، بعد محاكمة أمام محكمة الجنايات الرابعة في دمشق التابعة لخفايا الجولاني، مع مصادرة أمواله المنقولة وغير المنقولة.

ومن حق السوريين أن يعرفوا الحقيقة كاملة، لا الحقيقة التي تسمح بها السياسة، ولا الرواية التي يفرضها المتسلق الى الحكم على شاشة الإعلام.

الشيخ أحمد حسون ليس شخصاً عادياً في الذاكرة السورية؛ فقد شغل منصب المفتي العام لسنوات طويلة، وكان جزءاً من المؤسسة الدينية الرسمية في عهد النظام السابق.

المشكلة ليست في أن يُحاكم رجل دين.

والمشكلة ليست في أن يُحاسب مسؤول سابق.

المشكلة تبدأ عندما يصبح الانتماء إلى مرحلة سياسية سابقة قرينة إدانة، وعندما تتحول الخصومة السياسية إلى معيار للذنب والبراءة.

فالعدالة الانتقالية الحقيقية لا تقول: نحن ننتقم ممن حكموا.

ماذا عن الشهادات؟

من أكثر النقاط التي تستحق التوقف ما يتعلق بالشهادات التي قُدمت أثناء المحاكمة.

المصادر الرسمية تتحدث عن سماع شهود حق عام وشهود دفاع، كما تشير إلى أن إحدى جلسات الشهود عقدت بصورة مغلقة، مع تأكيد رسمي على حق الدفاع في مناقشة الإفادات.

وهنا يبرز السؤال:

إذا كانت هناك شهادات تنفي روايات معينة أو تضعفها، فما مصيرها في ملف القضية؟ وهل أُخذت في الاعتبار عند تكوين قناعة المحكمة؟ وما هي المعايير التي اعتمدتها المحكمة في وزن شهادات الاتهام والدفاع؟

هذه ليست أسئلة للدعاية.

هذه أسئلة جوهرية في أي نظام قضائي يريد أن يقنع السوريين والعالم بأن العدالة فيه ليست انتقاماً.

أما الروايات المتداولة عن مبالغ مالية أو هدايا أو مواد عينية، فلا يجوز لنا أن نعاملها كحقائق ثابتة لمجرد تداولها، كما لا يجوز إسقاطها لمجرد أنها لا تخدم الدفاع. الفيصل يجب أن يكون محضر الدعوى، والأدلة الموثقة، وشهادة الشهود كما قُدمت أمام المحكمة، وأسباب الحكم المكتوبة.

أين تبدأ العدالة وأين ينتهي التشفي؟

الأخطر من الحكم نفسه هو اللغة التي قد تحيط به.

عندما يتحول المتهم من شخص تجب محاكمته إلى رمز يجب سحقه، وعندما تتحول المحكمة إلى منصة لإدانة مرحلة سياسية كاملة، يصبح الخطر أن نعيد إنتاج المنظومة التي نقول إننا تجاوزناها، ولكن بأسماء جديدة وشعارات جديدة.

إن كان المفتي حسون قد ارتكب جرائم، فلتُعرض الأدلة.

وإن كان قد حرّض، فلتُعرض تسجيلاته كاملة وسياقاتها.

وإن كان قد موّل جماعات مسلحة، فلتُعرض الوثائق والتحويلات والأدلة المالية.

وإن كانت هناك شهادات ضده، فلتُختبر أمام الدفاع.

وإن كانت هناك شهادات لصالحه، فلا ينبغي أن تختفي من المشهد لمجرد أنها لا تنسجم مع الرواية السائدة.

هذه هي العدالة التي لا يخاف منها أحد.

إن إصدار حكم مؤبد ليس بحد ذاته دليلاً على قوة الدولة.

قوة الدولة تظهر عندما تستطيع أن تقنع حتى المختلف معها بأن الحكم صدر بالحق.

يا شيخنا… الخسارة ليست دائماً خسارة

قد يخسر الإنسان منصباً، ويخسر حريته، ويخسر حضوره في المشهد العام، لكنه لا يخسر بالضرورة الحقيقة.

ومن حق أنصار أحمد حسون أن يدافعوا عنه، وأن يقولوا إنهم يرون فيه عالماً مسالماً اعتاد خطاب المصالحة، وأن يرفضوا ما يرونه ظلماً بحقه.

لكن أقوى دفاع عنه ليس الشتيمة ولا التخوين ولا تحويله إلى قديس.

أقوى دفاع عنه هو أن نقول:

هاتوا الدليل.

اعرضوا الأدلة كاملة.

اعرضوا شهادات الاتهام والدفاع.

اعرضوا التسجيلات في سياقها.

افتحوا محاضر المحاكمة أمام الرقابة القانونية المستقلة.

وانشروا أسباب الحكم بالتفصيل.

ثم دعوا السوريين يحكمون على قوة الملف.

فإن كان مذنباً فليأخذ جزاءه.

وإن كان قد ظُلم، فليظهر الظلم.

أما أن يُطلب من الناس أن يصدقوا الحكم لأن المحكمة قالت ذلك فقط، فهذا لا يبني ثقة في القضاء.

عذراً سماحة المفتي حسون .. خذلك الأئمة وأنتهت العدالة


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل