مقالات مختارة
بين الأنظمة الملكية والجمهورية والأنظمة الدكتاتورية الاستبدادية والأحزاب الشمولية وعناوين الديمقراطية وحكم الشعب أو الأقلية أو التشارك في المسؤولية بين الرعية والحاكم ومصطلحات ومفاهيم الرأسمالية والشيوعية والليبرالية والعلمانية وغيرها، تتعدد أشكال وأنواع أنظمة الحكم في العالم، ورغم الاختلافات بين الكيانات السياسية والأمم يمكن القول بأن الممارسة العملية للسلطة تنطلق أو يمكن لها ذلك من مفاهيم الأحادية أو التعددية بشكل عام، وحفظ السيادة الوطنية والأمن القومي واحترام الدول والكيانات السياسية الأخرى، وعدم التدخل في شؤونها، أو النموذج النقيض لذلك من فرض الهيمنة والتبعية والتغول السياسي أو الاقتصادي أو حتى العسكري وانتهاك حقوق وحدود واستقلالية الكيانات السياسية الأخرى، هذا في شكل العلاقة مع الخارج وهو ما تجهد الكيانات الغربية بشكل عام غالبيتها أو بعضها وعلى رأسها الولايات المتحدة في فرضه على الدول والكيانات المختلفة تحقيقاً لمصالحها وحفاظاً على زعامتها وتسيدها على العالم وانتهاك سيادة واستقلال الدول وبعيداً عن مبدأ العدالة الدولية وحفظ العهود والمواثيق واحترام المنظمات والمؤسسات والكيانات والقوانين الدولية الجامعة!
تحت هذه العناوين والمصطلحات وأشكال أنظمة الحكم والعلاقة فيما بين الدول وللكيانات السياسية على اختلافها، وعبر عقود بل وقرون مضت وفي التعريف الراسخ ل"السياسة" حتى يومنا هذا، بأن السياسة في جوهرها هي "فن الممكن". بمعنى أنها تتعامل مع الواقع الموضوعي وتوازنات القوى القائمة تحت عنوان عريض وهو "الواقعية السياسية" في مقابل التعريف الآخر أو المدرسة الأخرى التي تقول بأن السياسة هي "فن الواجب والمثالية الأخلاقية"، على ذلك يرى الفكر الإصلاحي والأخلاقي أن السياسي يجب أن يسعى دائماً لتوسيع دائرة "الممكن" ليقترب من "الواجب" وتحقيق العدالة الحقيقية المطلوبة وتطبيق المبادئ الأخلاقية في الممارسة العملية للسلطة.
ويمكننا القول هنا وانطلاقاً مما سبق بأن جدلية السياسة والأخلاق وتعريفات تفريعات كل عنوان ومصطلح فيها كانت ولاتزال مثار نزاع فلسفي وتاريخي وجدال لا ينقطع في التأويل الفكري لاسيما من خلال القراءات النقدية التي تسعى لإرساء مفاهيم واقعية ومتوازنة لحقيقة العلاقة القائمة أو المفترضة بين المبادئ القيمية والأخلاقية والممارسة العملية للسلطة وأهمية التمييز بين تحقيق المنفعة العامة لجميع الأفراد والتي تسعى لتثبيت مفهوم العقد الاجتماعي الصحيح وتبيان طبيعة العلاقة الصحيحة والمفترضة بين الأفراد والسلطة أو الدولة وتحديد ماهية حقوقهم والتزاماتهم المتبادلة، في مقابل تحقيق الحاكم للمنفعة الخاصة أو الشخصية له في المقام الأول وللمقربين منه من ذوي الحظوة.كما أنه لابد من التمييز بين إدارة السلطة في الداخل والعلاقة مع الخارج أي الدول والكيانات الأخرى وتلك المنظومة الدولية القائمة والمؤسسات والمواثيق الدولية والقانونية الجامعة.
في كتابه الأشهر "الأمير" يرى المفكر والفيلسوف والسياسي الإيطالي نيكولو ماكيافيلي أن الالتزام بالمبادئ الأخلاقية في السياسة غير ممكن وغير مطلوب، وتعتبر مقولة "الغاية تبرر الوسيلة" جوهر فلسفته، فهو يرى أن الالتزام الحرفي بالمبادئ الأخلاقية المثالية في عالم السياسة المليء بالصراعات والطموحات هو أمر غير ممكن، بل وقد يكون مدمراً للدولة، والمبادئ الأخلاقية عند ماكيافيلي هي أقرب إلى ذرائع وتسويغات.. وعلى الأمير أن يتعلم كيف يكون شريراً ولكن أن يظهر أمام الناس متخلقاً بالأخلاق الفاضلة ولكن ليس بالضرورة أن يؤمن بهذا أو أن يكون صادقاً فيه ولكن من مصلحته أن يظهر أمام الناس بذلك "تظاهر بالأخلاق ولا تلتزم بها"، ومن مفارقات ماكيافيلي تنظيره بأن البخل أفضل من الكرم وأن الخوف أفضل للحاكم من المحبة، بمعنى أن يخافه شعبه أفضل من أن يحبه لأنه يعتقد أن غريزة الخوف أرسخ وأقوى من غريزة المحبة، فالمحبة يمكن أن تتلاشى بعكس "حاكمية الخوف".
ودون الاستغراق في جدلية السياسة والأخلاق وهل أن السياسة هي فن الممكن "الواقعية السياسية" أم الواجب "المثالية والأخلاقية" يمكننا القول بوضوح إن شكل العلاقة بين الكيانات السياسية والأمم وبالتالي النظام العالمي القائم اليوم بل ومنذ عقود وقرون مضت يتكئ على مخططات فرض السيطرة والهيمنة والتبعية ما استطاع إلى ذلك سبيلا! وأنه نظام لا يقيم احتراما ولا وزناً إلا للقوي والقادر على فرض نفسه على الساحة الدولية وفرض احترام سيادته الوطنية ومنع التدخل في شؤونه الداخلية وعلاقاته الخارجية مع الأنظمة والكيانات المختلفة.
إن سياسة الولايات المتحده الأمريكية لفرض الهيمنة والتبعية ما لبثت تتنقل بين التدخل العسكري المباشر أو بالوكالة وفرض الحروب الناعمة والحصار الاقتصادي على الدول المستهدفة وليس أقل خطراً من ذلك هو خلق نزاعات إقليمية وحدودبة بين الدول وتأجيج ودعم الصراعات والانقسامات الداخلية بل وفرضها أحياناً داخل حدود الدولة نفسها ودعم المتخاصمين بما يضمن لساكن البيت الأبيض إضعاف تلك الدول وفرض الهيمنة عليها والسيطرة على مواردها ومقدراتها.
الرئيس الأميركي دونالد ترامب رفع بشكل حمائي شعار "أميركا أولاً"، كما رفع شعار "لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى" وهي شعارات تعود بالأصل إلى حملات انتخابية لرؤساء سابقين، هذه الشعارات التي حدد من خلالها ترامب جوانب هامة في رؤيته السياسية والاقتصادية، والسياسة الخارجية حيث تبنى نهجاً انعزالياً عبر إعادة تقييم التحالفات التقليدية (مثل حلف شمال الأطلسي)، وقضايا الهجرة عبر تركيز الجهود على تشديد أمن الحدود بشكل صارم، وبناء الجدار الحدودي، هذه الشعارات التي أوصلت ترامب ليكون رجل البيت الأبيض خالفها في أصلها ومضمونها عبر ممارسة العبث السياسي والدبلوماسي والتغول العسكري في شؤون دول أخرى سواء إقليمية أو دولية، وفتح عدة جبهات متزامنة منها على سبيل المثال في فنزويلا وإيران مع دعم استمرار الحرب الروسية الأوكرانية دون أفق واضح لأي حلول أو تسوية مرتقبة، وكذلك ممارسة العبث السياسي والدبلوماسي ومخططات فرض الهيمنة والتدخل في شؤون دول عربية عدة منها لبنان وسورية والعراق وحتى غالبية دول الخليج الحليفة للإدارة الأمريكية، بل أن ترامب كما سبق وذكرنا خالف حتى أصل التسمية في تبني هذه الشعارات وهذا النهج من خلال الحرب على إيران والتي أكد معارضوا ترامب وحلفاء الأمس وغالبية ناخبيه الذي انقلبوا عليه أنه في المسألة الإيرانية كانت "إسرائيل أولاً" وليس "أميركا أولاً"!!
وهذا ما أكد عليه العديد من القادة أو رجال السياسة والاقتصاد في أمريكا، وهو ما ذهب إليه على سبيل المثال لا الحصر عضو مجلس الشيوخ الأمريكي الديمقراطي "كريس مورفي" الذي انتقد بوضوح إدارة الرئيس ترامب بسبب تورطها في الحرب على إيران، مؤكداً أن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو هو من جرّ الولايات المتحدة إلى هذه الحرب لخدمة مصالحه السياسية الداخلية.
النموذج الإيراني وتبعاته وذريعة الحرب على إيران شبيهة إلى حد بعيد بحروب الأمس وأوضحها الحرب على العراق، بين أسلحة الدمار الشامل والسلاح النووي وغيرها من التبريرات كان "أمن إسرائيل" هو الحاضر أولاً في ساحة المعركة، رغم أن العيون كانت كذلك وبلا شك وفي جانب مهم منها منصبة على النفط والغاز والمعادن والممرات المائية ثانياً والسعي لحصار الصين وروسيا والعالم ثالثاً وجعله خاضعاً وفي قبضة سيد البيت الأبيض المأزومةإدارته بديون تقدر بالتريليونات بحسب تقارير إحصائية!
لقد سقطت جميع الذرائع والتبريرات في الحرب الأمريكية على إيران كما سقطت من قبلها تبريرات ومزاعم الحروب السابقة، وبالتأكيد لم تكن إيران لتشكل تهديداً لإدارة ترامب وفي هذا السياق يمكن هنا إبراز شهادة مديرة الاستخبارات الوطنية الأمريكية تولسي غابارد أمام الكونغرس في آذار/مارس 2026، حيث كشفت فيها عن تباين واضح بين تقييم مجتمع الاستخبارات وتصريحات البيت الأبيض. وركزت الشهادة على محاور عدة أهمها تماسك النظام الإيراني وتباين الأهداف الأمريكية عن الإسرائيليّة، ما أدّى إلى تداعيات سياسية خطيرة. كما أشارت إلى أنه ليس هناك أي مؤشرات لدى جهاز الاستخبارات الوطنية الأمريكية بأن إيران تعيد بناء مفاعلاتها النووية بعد قصفها في صيف العام 2025، وبذلك يسقط التهديد المزعوم وتسقط معه أهم ذريعة للحرب على إيران!
"الأمير دونالد" "أمير مملكة الشر" ومن سبقوه من الرؤساء والقادة من أمراء حروب الإبادة والاضطهاد، زعماء تلك الإمبراطورية الإمبريالية الكولونيالية التي قامت بالأصل على القمع والقتل واضطهاد بل وإبادة السكان الأصليين (الهنود الحمر) الذين تعرضوا لعمليات إبادة جماعية وتطهير عرقي ممنهج، كما تعرض من تبقى منهم للتهجير القسري والتجويع بل وحتى للإبادة الثقافية لإجبارهم على التخلي عن لغتهم وعاداتهم وتقاليدهم، في سياسة تهدف لمحو هويتهم الأصلية.
الولايات المتحده "إمبراطورية الشر" ذلك الشرطي الذي يحكم العالم بالحديد والنار، لاتزال حتى يومنا هذا تمارس القمع والقتل والقهر والإذلال وفرض الهيمنة والتبعية على غالبية الدول، والسيطرة على مواردها ومقدراتها ومصادرة قرارها وحقوقها، في سياسة بعيدة كل البعد عن مراعاة لأبسط حقوق تلك الدول وانتهاك لسيادتها وكيانها وحضورها وثقافتها وموروثها التاريخي، وانتهاكات تناقض القوانين الدولية الجامعة للكيانات والدول، هي ممارسات تتنافى بشكل كلي مع أبسط المبادئ والقيم الأخلاقية.
الولايات المتحده والغرب عموماً الذين دعموا حروب الإبادة لاسيما في الشرق الأوسط وخصوصاً في عالمنا العربي، من غزة إلى لبنان مروراً بإيران، وتدمير سورية والعراق ونهب ثرواتها والسيطرة على قرارها ومقدراتها، ونماذج حاضرة في التاريخ من فييتنام إلى أفغانستان وغيرها من النماذج، هذه المنظومة التي قامت على أنقاض أكثر الصراعات دموية في تاريخ البشرية، الحرب العالمية الأولى والثانية، هي منظومة بالتأكيد بعيدة كل البعد عن القيم والمبادئ الأخلاقية والإنسانية!
نختم بالقول، إن المنظومة الدولية التي تخلو من القيم والمبادئ الأخلاقية الواقعية والحقيقية بعيداً عن الشعارات الرنانة والعناوين البراقة من العدالة والديمقراطية والحرية واحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها، هي منظومة أحرص ما تكون على حماية القوي والتحالف معه بعيداً عن نصرة المظلوم وقضايا الحق والعدل، والقضايا الإنسانية الجامعة، هي منظومة المصالح وتقاسم النفوذ والسيطرة على مقدرات الدول المستضعفة ونهب خيراتها وثرواتها ومصادرة قرارها، وجعلها خاضعة وتابعة لإرادة ومصالح وأهواء تلك المنظومة المستبدة.
بقلم: سامر العريفه
مراسم تشييع المرشد الشهيد برسائل إيرانية عميقة
خطاب عاشوراء عند السيد حسن نصر الله.. من الذاكرة إلى القوة السياسية (1/2)
لبنان ليس طائفة