مراسم تشييع المرشد الشهيد برسائل إيرانية عميقة

الثلاثاء 07 تموز , 2026 11:30 توقيت بيروت مقالات مختارة

مقالات مختارة

بدأت في إيران مراسم تشييع واسعة النطاق للمرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الشهيد السيد علي خامنئي، بعد عدة أشهر من اغتياله في فبراير 2026 إثر غارة جوية غادرة استهدفت مقر إقامته في طهران مع عدد من افراد عائلته.

تمتد مراسم التشييع على مدار ستة أيام (بداية من 4 تموز وتستمر حتى 9 تموز 2026)، لتشمل عدة مدن في إيران والعراق قبل الدفن في مدينة مشهد، حيث شهدت المراسم مشاركة ضخمة واستثنائية على المستويين الشعبي والدبلوماسي، بالنظر إلى الأهمية السياسية والدينية للحدث في إيران والمنطقة.

فعلى المستوى الشعبي غصّت شوارع العاصمة طهران، خاصة المحاور المؤدية إلى مصلى الإمام الخميني الكبير وساحة الحرية (ميدان آزادي)، بمئات الآلاف من المشيعين الذين توافدوا من مختلف المحافظات الإيرانية. وتُقدّر بعض المصادر الإعلامية الحشود الإجمالية في العاصمة بملايين الأشخاص على مدار أيام التشييع، كما امتدت المشاركة المليونية لتشمل الفعاليات المقامة في مدينة قم، ومن المتوقع أن تشهد مدينة مشهد تجمعاً بشرياً هائلاً قد يكون الأكبر في تاريخ المدينة.

كان لافتاً حجم الحضور السياسي من مختلف دول العالم، حيث شارك في المراسم وفود رسمية رفيعة المستوى من عدة دول، إلى جانب ممثلين عن حلفاء إيران الإقليميين، مثل روسيا والصين، بالإضافة إلى وفود من دول عربية وإسلامية وأفريقية، والحضورالبارز لقيادات وممثلين عن الفصائل وحركات المقاومة في المنطقة، بما في ذلك ممثلون عن حزب الله اللبناني، جماعة أنصار الله (الحوثيين) من اليمن، وحركة حماس والجهاد الإسلامي وفصائل فلسطينية أخرى، بالإضافة إلى قادة من الحشد الشعبي والقوى السياسية العراقية.

لم تكن مراسم تشييع المرشد الأعلى الشهيد السيد علي خامنئي مجرد حدث ديني تقليدي لوداع قائد, بل وظّفتها القيادة الإيرانية بشكل مكثف كـ "منبر سياسي استراتيجي" لتوجيه حزمة من الرسائل الحاضرة والقوية إلى الداخل، الحلفاء، والخصوم (وتحديداً الولايات المتحدة والكيان الصهيوني), فتأجيل التشييع لأربعة أشهرليتزامن مع التوصل لـ "مذكرة التفاهم" لوقف إطلاق النار، كان مقصوداً بحد ذاته لخدمة هذه الرسائل، والتي تبلورت في المحاور التالية:

اولاً رسالة استقرار النظام ونفي لمزاعم الفراغ السياسي

أرادت طهران أن تثبت للعالم أن اغتيال رأس الهرم، رفقة عدد من قادة الصف الأول وأفراد عائلته، لم يؤدِّ إلى انهيار مؤسساتها،المشهد الانسيابي للتشييع، وإدارة المرحلة الانتقالية بواسطة القيادة المشتركة، ركّزا على فكرة أن "الدولة باقية والمؤسسات راسخة" وأن غياب القائد لا يعني غياب النظام أو شلل قدرته على التعبئة.

ثانياً استفتاء على الشرعية الداخلية (تفنيد فرضية الانهيار)

بعد الاحتجاجات التي شهدتها البلاد في مطلع عام 2026 وضغوط الحرب القاسية، سعت الدولة لتقديم الحشود المليونية كـ "استفتاء شعبي متجدد" على شرعية نظام الجمهورية الإسلامية. عبّر عن ذلك صراحةً رئيس مجلس الأمن القومي ومسؤولون آخرون بالقول إن هذا "البحر البشري" يثبت خطأ الحسابات الغربية التي راهنت على سقوط النظام من الداخل بعد الضربات الجوية.

ثالثاً فشل الرهان على عزل إيران دولياً

الحضور الدبلوماسي الواسع (الذي ضم قادة ورؤساء وزراء ووفوداً من روسيا، الصين، باكستان، دول عربية وخليجية كالسعودية وقطر ومصر) حمل رسالة واضحة مفادها أن "إيران ليست معزولة دولياً ولا إقليمياً"، هذا الحضور يعزز موقف طهران التفاوضي وهي تخوض غمار مباحثات الـ 60 يوماً لتسوية المسائل الخلافية مع واشنطن.

رابعاً تأكيد استمرار وثبات "محور المقاومة"

حضور ومشاركة قادة الفصائل الحليفة من لبنان (حزب الله)، فلسطين (حماس والجهاد)، اليمن (أنصار الله)، والعراق، أرسل إشارة واضحة بأن استراتيجية إيران الإقليمية وعقيدتها العسكرية لم تتغيرا، الرسالة هنا هي أن "نهج المقاومة" مؤسسي ومستمر وليس مرتبطاً بشخص المرشد الراحل.

خامساً التلويح بـ "الردع الشعبي" والوعيد بالانتقام

رفعت الحشود لافتات وشعارات مثل "نحن الشعب صواريخ إيران الحقيقية" وهتافات "الثأر الثأر"، وظّفت القيادة العسكرية هذا الزخم الشعبي لإيصال رسالة ردع واضحة لخصومها بأن "الحق في الرد والانتقام" لا يزال قائماً، وأن أي تسويات سياسية حالية لا تعني التنازل عن دماء الشهداء.

سادساً التمهيد الرمزي لـ "المرحلة الجديدة"

تنقّل الجثمان بين طهران، وقم "المعقل الديني"، والمشاهد المقدسة في العراق (النجف وكربلاء)، وصولاً إلى مشهد، يعيد رسم جغرافية النفوذ الروحي والسياسي للمرجعية التي أسس لها الشهيد الخامنئي، وهو ما يمنح الشرعية الدينية والسياسية القصوى للعهد الجديد، سواء للقيادة الانتقالية أو لخليفته السيد مجتبى خامنئي الذي يُرتب لظهوره لاحقاً.

أرادت القيادة الإيرانية إثبات "استقرار النظام واستمرارية المؤسسات"، وبعث رسالة ردع واضحة للخصوم (أمريكا وإسرائيل) بأن العهد الجديد "الذي يتشكل خلفاً "للمرشد الشهيد"ينطلق من أرضية صلبة، مدعوماً بزخم شعبي يرفض الانكسار ويفاوض من موقع قوة.

تثبت الأحداث الأخيرة والظروف الاستثنائية التي تمر بها المنطقة أن الجمهورية الإسلامية تمتلك بنية مؤسساتية وشبكة تحالفات إقليمية تمنحها قدرة عالية على الصمود والتعامل مع الأزمات الكبرى، حتى تلك التي تستهدف رأس الهرم القيادي فيها, كما تمتلك القدرة على إدارة مرحلة انتقالية حساسة، والحفاظ على وتيرة العمل السياسي والدبلوماسي، بالتوازي مع حشد الزخم الشعبي، كلها عوامل تظهر أن ايران تدار بعقلية استراتيجية ومؤسساتية قادرة على امتصاص الصدمات الكبرى وتوظيفها لتعزيز موقفها التفاوضي والسياسي في الساحتين الإقليمية والدولية.

 أ. حسين فريجة


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل