أقلام الثبات
إذا كنت من سكان الجنوب أو الضاحية أو البقاع، أي إذا كنت شيعيًا لبنانيًا، يتوجب عليك أن تتمرّن وتكتسب مهارات إضافية لضمان بقائك على قيد الممات، فربما يتصلون بك من المستشفى ليُبلغوك بضرورة استلام أشلاء شهدائك، لعجز المستشفى عن ترتيبها بسبب تزايد أعداد الشهداء وكثرة المجازر "الإسرائيلية" التي تطال العائلات... وسأحدثك عن هذا الواقع، داعيًا الله تعالى ألا تتعرض لهذه التجربة، وألفت انتباهك وأسألك:
هل تعلّمت كيف تعيد تجميع أشلاء شخص تحبه وعزيز عليك؟
هل تدربت على كيفية إعادة بناء جسد مزّقته الصواريخ إلى أجزاء متناثرة؟
أظن أنك لن تنجح في هذا الاختبار... مهما حاولت وتماسكت.. فكيف يُمكنك تجميع جسدٍ وأنت لا تجد رأسه، وإن وجدته، لا تستطيع التعرف عليه؟
كيف ستحاول ترتيب الأيدي والأرجل وهي غير مكتملة، فربما وجدت اليمين وغاب اليسار أو العكس؟
ربما وجدت اليد، لكنها مبتورة الأصابع، فكيف تستطيع تركيبها على الأكف المهشّمة والمحروقة؟
كيف ستُميّز أشلاء أمك أو أبيك أو إخوتك وأخواتك، حين تصبح أجساد عائلتك قِطعًا مختلطة ببعضها، فتتحول العائلة إلى كومة من الأشلاء الصامدة التي ذُبحت وقُطّعت لأنها لم تغادر أرضها وبيتها؟
ستحاول جمع الأشلاء التي كنت تحتضن صاحبها إلى صدرك وتقبّل وجهه، لكنه الآن أجزاء متنوعة الحجم ملطخة بالدم ويغطيها سواد حريق القصف!
ستجمع الأشلاء وما تبقى من وجه حبيبك وعزيزك الذي كنت تنظر إليه وهو يضحك أو يحدثك!
ستجمع هذه الأشلاء في كفنٍ واحد وقبرٍ واحد وسيلٍ من الدموع لغسلها، إذ لا ماء متوفر في القرى...
ستجمع الأشلاء الصامتة التي كنت تتسامر معها في السهرات والأعياد وجلسات العائلة... وتناديها فلا تجيبك، خلاف عادتها...
ستحاول، وستكرّر المحاولة، لكنك لن تنجح، فترفع يديك بالدعاء لله أن يجمع شملها، وهو القائل في كتابه الكريم {أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَجْمَعَ عِظَامَهُ، بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُسَوِّيَ بَنَانَهُ}.
حينها تتصاعد آهات الفاجعة، وتستسلم لدموعك وحزنك وتفقد القدرة على المتابعة ،فتجمع أشلاء عزيزك وحبيبك في كفنٍ، بلا ترتيب ولا غسل ،لأنك لا تستطيع عن انتظار فحوصات الحمض النووي (DNA)، تستعين بحدسك "فحص مشاعر القلب" ،فإن نبض قلبك عند لمس بعض الأشلاء عندها تعرف انها تعود لحبيبك، فتضمها إلى ما جمعته سابقًا ثم، عند الانتهاء، تحاول تخيل اتجاه الرأس وأنت تضعه في القبر، وتستغفر الله وتدعو له بالمغفرة، خاصة إن لم تكن تعرف كيفية تكفين الأحبة أو غسلهم أو ترتيب أشلائهم.
لا تنسَ أن تتعلّم الأحكام الشرعية المتعلقة بجمع وغسل ودفن الأشلاء، فطريق كربلاء مزدحمٌ بالصادقين، وربما ستزدحم فيه قوافل الشهداء من المقاومين وعائلاتهم وأطفالهم، الذين تقتلهم "إسرائيل" بصواريخها الدقيقة التي تحرق أسرّة الأطفال وسجّاد الصلاة وكتب الأدعية والمصاحف.
ندفن أشلاءهم ونبقى نحن أشلاءً باقية على قيد الحياة، ننتظر القاتل ونقاومه إما في الميدان، أو بالصمود والصبر أمام التهجير، وأمام حقد وغدر وشماتة ووعيد أكثر الآخرين، لأننا نرفض الاستسلام ومبايعة "اللات الأمريكي" و"نبيّه الإسرائيلي"، ولا ندري إن كان باستطاعة أحدٍ أن يدفن من تبقى منا...
رغم كل الدماء والأشلاء، سنبقى عبيدًا لله سبحانه، ولن نستسلم ولن ننهزم، ولن نرتدّ عن دين الله، كما ارتدّ الآخرون الذين ينتظرون "الديانة الإبراهيمية الجديدة"، وهذا لن يكون بإذن الله.
مقاومون نحرس الأرض ونحن أحياء، ونثبّت هوية الأرض عندما نتحول إلى أشلاء، لتكون شواهد قبورنا حروف وكلمات حفظ الهوية ومنارات وعلامات للصراط المستقيم.
سيكتب التاريخ بطولات ملحمة الشجاعة والصبر والإيمان لقلة قليلة شجاعة وصابرة من اهل الإيمان، حتى لو استُشهدنا جميعًا، كما حدث في كربلاء... وسننتصر بإذن الله سبحانه.
#لفت انتباه: هذا حال الشيعة في لبنان وهم يدفنون شهداء المجازر ... ورسالة تحية الى اختي الحبيبة الشهيدة الحاجة نضال وزوجها الشهيد الحاج يوسف ولكل العوائل التي نثرها القصف "الإسرائيلي" أشلاء في الفضاء او بين ركام بيوتها.
حشود مسلّحة على الحدود ... ودخول "مساعدات من الشام ... إلى طرابلس الشام" .. ماذا بعد فشل "إنزال النبي شيت"؟ _ حسان الحسن
هنا الضاحية… بقلم: محمد دياب
أقوى ما في إيران استقواء جيرانها بأميركا _ أمين أبوراشد