أقلام الثبات
زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى لبنان، خضعت للبروتوكول المعتمد في بلد "الرؤساء الثلاثة"، أو الرؤوس الثلاثة لا فرق، ولا اعتراض على "الترويكا" التي باتت واقعاً منذ عهد الرئيس الياس الهراوي، ولكن قد لا تكون المثالثة مقبولة وطنياً، إذا زار الضيف مفتي الجمهورية على سبيل المثال واستثنى المرجعيتين الشيعية والدرزية من منطلق "ثلاثة بواحد"، ولا زياراته الثلاث للبطريرك الراعي والنائب سامي الجميل والسيد سمير جعجع تعني أنه منفتح على كل المسيحيين، ولا المسيحيين صدحوا له بأغنية "يا هلا بالضيف ضيف الله"، ولا قرعوا أجراس الكنائس ترحاباً، لأن أجراس بلاد الشام ليست بخير.
وشاء الشيباني أن يختم زيارته بمدينة طرابلس، لشكر مواقف أهلها من "الثورة السورية"، وازدحمت شوارعها بالمواكب السيَّارة وشعارات التأييد للرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع، شعارات كانت بعضها فئوية مع الكثير من الانبطاح تحت راية "الثورة"، وهناك سوابق للبعض في الشارع الطرابلسي الذين رفعوا العَلَم السعودي أحياناً والعَلَم التركي أحياناً أخرى، لكن الشيباني حالياً هو موفد "الباب العالي" الجديد بمباركة تركية مادام ممثل "والي بلاد الشام".
المخاوف من طرابلس وعلى طرابلس لا تكمن في رغبة بعض الجماعات فيها الذهاب بعيداً نحو أحضان "الوالي السوري"، بل الخوف أن طرابلس هي المنطقة الساحلية الوحيدة المطروحة "للضم والفرز" إلى الإقليم السني الداخلي "الحبيس"؛ بين تدمر ودمشق وحمص، والذي لا أمل له بإطلالة بحرية سوى من طرابلس.
ولسنا الآن بوارد الحديث عن رفض السنة الأشعرية في بلاد الشام لواقع التطرف لدى هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة) الحاكمة بأمرها، ولا القمع الذي تعرض له العلويون في الساحل والدروز في الجنوب والأكراد في الشمال، لكن السلطة السورية التي شرَّعت حدودها للعدوان الصهيوني في القنيطرة والسويداء ومؤخراً في درعا، ليست الشريك النضالي الصالح لأن يهرول نحوها "السياديون" في لبنان، سوى من منطلق الرغبة في قبول واقع الاحتلال "الإسرائيلي"، حتى لو قضم 15% من مساحة لبنان لدواعٍ ترتبط بحماية مستوطناته الشمالية، ومسألة الكرامة الوطنية المتمثلة بسلاح المقاومة، لم تعُد مرتبطة بحزب أو جماعة، بل بنحو ثلثي الشعب اللبناني الذين يرفضون المساس بهذا السلاح قبل الإنسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية المحتلة.
وبالعودة إلى زيارات الشيباني لمَن يعتبرها مرجعيات لبنانية، نرى أنه لا يمتلك بوصلة ملامسة الواقع للأسباب التالية:
- زار النائب السابق وليد جنبلاط، وهو يدرك أن الغالبية الساحقة من دروز سوريا، خاصة في السويداء، باتت تأتمر بتوجيهات الشيخ حكمت الهجري الرافض للاندماج في سلطة دمشق التي يعتبرها إرهابية.
- زار الكاردينال بشارة الراعي، بصفته أعلى مرجعية روحية مارونية في لبنان، لكن الراعي الذي يحمل أيضاً صفة بطريرك أنطاكيا وسائر المشرق، ما استطاع أن يلعب ولو دوراً متواضعاً في الحد من هجرة مسيحيي لبنان ولا تهجير مسيحيي المشرق، وأن مسيحيي سوريا بالذات يدينون بحمايتهم للبيئة السورية المحيطة بهم منذ نظام الرئيس بشار الأسد ولغاية الآن.
- زار قائد "القوات" سمير جعجع، الذي هو رمز النكبات والنكسات المسيحية في لبنان، وصاحب النزعة التقسيمية منذ بدعة الكانتون المسيحي ولغاية مهزلة الفيدرالية التي يطالب بها الآن من منطلق أن بعض اللبنانيين "لا يشبهونه".
- وكما زار الشيباني جعجع عرفاناً لمواقفه "الثورية"، زار أيضاً النائب سامي الجميل للحيثية عينها، وربما كي يطَّلع منه عن كيفية نزع سلاح المقاومة في لبنان التي يكرر معزوفتها النائب الجميل على مدار الساعة رغم معرفته بأن هذه الأمور أكبر منه بكثير، لأن هذا السلاح ترتبط به سيادة وطن وكرامة شعب.
اللافت في كل التصريحات التي واكبت زيارة الشيباني إلى لبنان، بعيداً عن كلام المجاملات الممجوجة، ما أدلى به نائب رئيس الحكومة طارق متري لدى سؤاله عن احتمال لقاء الوزير السوري بحزب الله فقال:
"إن الزيارة مهمة لكونها تعكس انفتاحا على جميع الناس والاتجاهات في المجموعات الروحية اللبنانية، مضيفاً أن هذا دليل على أن سوريا تريد أن تنفتح على لبنان وعلى جميع اللبنانيين من دون أن تتدخل في الشؤون الداخلية اللبنانية، وأبدى الوزير الشيباني انفتاحا لطيّ صفحة الماضي وأحقاده، وينظر فقط إلى مستقبل المصلحة اللبنانية - السورية".
هنا، يتضح أن الدبلوماسية السورية تؤيد "اتفاقية الإطار" بين لبنان و"إسرائيل" وما تضمنته من تنازلات سيادية لصالح العدو الصهيوني، ولكن لا مجال للمقارنة بين موقف الشعبين في هذا السياق، لأن "إسرائيل" تستبيح الجنوب السوري من القنيطرة إلى السويداء إلى درعا ووصولاً إلى ريف دمشق دون أية مقاومة، فيما أبناء الجنوب اللبناني رغم الأثمان التي يدفعونها من البشر والحجر والشجر ما لا يحتمله أي شعب في العالم، ويكون الشيباني قد خصَّ بزيارته "جماعة الإطار" دون سواهم، وبالتالي فإن مفهوم السيادة غير متطابق بين سوريا ولبنان، وكفانا تشريع أبوابنا في هذه المسألة بالذات لحكومة الشرع وسواها قبل أن تحسم وتحزم أمرها في الأمور السيادية.
زيارة ماكرون لدمشق... والرسائل إلى أنقرة وتل أبيب وموسكو _ حسان الحسن
متى يسقط وقفُ إطلاق النار السياسي مع حكومة التطبيع؟ _ د. نسيب حطيط
زيارة الشيباني.. والصراع التركي "الإسرائيلي" على المنطقة _ د. ليلى نقولا