زيارة الشيباني.. والصراع التركي "الإسرائيلي" على المنطقة _ د. ليلى نقولا

الإثنين 06 تموز , 2026 07:06 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات

لم تعد العلاقة التركية – "الإسرائيلية" في الشرق الأوسط مجرد خلافات سياسية متكررة أو سجالات إعلامية موسمية، فخلال السنوات الأخيرة، ومع التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة، انتقلت العلاقة بين الطرفين إلى مستوى جديد من التنافس الجيوسياسي على النفوذ، وهو تنافس مرشح لأن يصبح أحد العوامل الأساسية التي ستحدد شكل التوازنات الإقليمية في المرحلة المقبلة.

بالرغم من أن تل أبيب وأنقرة احتفظتا سابقاً، وبالرغم من الكلام العالي السقف، بعلاقات أمنية واقتصادية، إلا أن الوقائع الحالية تشير الى أن مصالحهما الاستراتيجية باتت تتضارب بصورة متزايدة في أكثر من ساحة ومنها سوريا ولبنان. تسعى تركيا إلى ترسيخ نفسها قوة إقليمية مركزية تمتد أدوارها من القوقاز إلى شرق المتوسط والمشرق العربي، بينما تسعى "إسرائيل" إلى تكريس نفسها القوة الأكبر في المنطقة، وتسعى إلى بناء نظام إقليمي جديد يضمن لها التفوق والهيمنة لعقود مقبلة.

في هذا السياق، جاءت تصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الأخيرة لتؤكد عمق التوتر بين الجانبين، فقد اتهم "إسرائيل" بمحاولة إفشال التفاهمات الأميركية – الإيرانية، وهاجم سياساتها العسكرية في غزة ولبنان وسوريا، معتبراً أن استمرار هذه السياسات يهدد أمن المنطقة بأكملها، مؤكداً ترابط أمن تركيا مع أمن كل من سوريا ولبنان.

في المقابل، تنظر "إسرائيل" بقلق متزايد إلى تنامي الدور التركي، فالأوساط السياسية والأمنية "الإسرائيلية" تتحدث منذ أشهر عن "التحدي التركي" بوصفه أحد أخطر التحولات الاستراتيجية في المنطقة، خصوصاً بعد توسع النفوذ التركي في سوريا، وتنامي حضور أنقرة في ملفات شرق المتوسط، بالإضافة إلى التقارب التركي مع عدد من القوى العربية والإقليمية.

لكن جوهر المشكلة لا يكمن فقط في الخطابات المتبادلة، بل هناك صراع فعلي على ما يعتبره الطرفان الفراغات الجيوسياسية التي نشأت بعد تراجع قوى إقليمية كانت فاعلة في العقد الماضي، ومع تراجع النفوذ الإيراني في بعض الساحات بعد أحداث السابع من أكتوبر.

من هنا، يبدو أن سوريا ( وارتباطاً بلبنان) ستكون الساحة الأكثر حساسية في التنافس بين الطرفين خلال السنوات المقبلة، فسوريا بالنسبة لتركيا ليست مجرد دولة مجاورة، بل عمق أمني واستراتيجي لا يمكن تجاهله.

أما "إسرائيل"، فهي تريد منع ظهور أي قوة إقليمية أو عسكرية يمكن أن تشكل تهديداً استراتيجياً لها مستقبلاً، وتسعى إلى الاحتفاظ باحتلالها لبعض المناطق السورية وبحرية العمل العسكري والأمني داخل الأراضي السورية.

مع ذلك، فإن الصراع بين الطرفين في سوريا قد لا يأخذ شكل مواجهة مباشرة، فالعلاقة بينهما، رغم التوتر، ما زالت محكومة باعتبارات دولية وإقليمية تجعل الصدام العسكري المباشر خياراً مستبعداً في الوقت الحاضر، مع إبقاء التنافس عبر الصراع بالوكالة وهو مرجح على المدى القصير.

وهكذا تبدو سوريا المرشح الأبرز لأن تتحول إلى الساحة الرئيسية لهذا الاشتباك الجيوسياسي؛ ليس عبر مواجهة عسكرية تركية – "إسرائيلية" مباشرة، بل عبر صراع نفوذ طويل الأمد، تستخدم فيه الأدوات السياسية والأمنية والاقتصادية والعسكرية، وفي مثل هذه الصراعات، غالباً ما تكون خرائط النفوذ أهم من خرائط الحدود، وتصبح المعارك الحقيقية معارك على هوية الدولة وموقعها ودورها في النظام الإقليمي الجديد، وهو ما قد تكون زيارة الشيباني الى لبنان إحدى تجلياته.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل