أقلام الثبات
العالم لديه مونديال واحد كل أربع سنوات، ونحن نعيش المونديال الذي لا ينتهي في ما بيننا منذ قيام لبنان الكبير.
شريحة واسعة منا هي الآن مع الدفاع والهجوم، وشريحة مع "حارس المرمى"، ولدينا لاعبين على مقاعد الاحتياط ممنوع عليهم النزول إلى الملعب، وقد يكون هناك سوء تفاهم مع "الحارس"، ولكن إذا بقيت فعالية الدفاع والهجوم ضعيفة، فلن يبقى لنا "حارس" ولا يبقى وطن، مادام الحَكَم أميركياً.
هو ليس حوار طُرشان هذا الذي يحصل بين الفرقاء اللبنانيين، بل هو نوع من المزاد، لا يكسب فيه صاحب الصوت الأعلى، بل مَن يدفع الثمن الأغلى، بحيث يبدو المتحدِّث أحياناً في حالة هذيان، والمتلقِّي غير جاهز للاستماع، خصوصاً عندما يتمّ تصغير الأمور على الطريقة اللبنانية، في وطن ينسى جزء من شعبه أن يكبر، بحيث يتلاشى هدير الطائرات والصواريخ الذي يسكُن أجواء مضيق هرمز، ويسمعه اللبنانيون وكأنه مفرقعات ليلة "مونديالية" على وقع كركرة الأراكيل التي تُريح الدماغ، وأحياناً تخطف الدماغ من الرأس برأس أركيلة.
ولم تفرغ الشاشات تماماً من برامج "التوك شو" الفارغة، لكن اللبنانيين لا وقت لديهم لمتابعة "العلك السياسي"، لأنهم بحاجة للراحة في ساعة فراغ بين مباراة وأخرى، حتى ولو كانت المواجهة بين منتخبيّ كوراساو والرأس الأخضر، لدرجة أن خروج فريق خصم من دوري مجموعات المونديال أولى لدى البعض ربما من خروج الجيش الصهيوني من لبنان، وتأهٌّل منتخب له جمهوره في لبنان أولى من تحرير الأرض من رجس الاحتلال، ونحن لا نبالغ في التوصيف، لأن "العجقة" على الشاشات في المقاهي والساحات ومواكب المشجعين بعد كل "انتصار كروي" تثبت أن اللبنانيين يعيشون "كوما" الهروب من الهزائم السياسية، لاسيما بعد التوقيع على ورقة واشنطن مع "إسرائيل"، والتي يبدو أنها تشبه لناحية التطبيق قرارات الأمم المتحدة والجامعة العربية، لا بل أضافت إلى الوضع السيادي اللبناني لمسات من الإذلال، إن لم نَقُل طعنات.
"ورقة واشنطن" اللبنانية مع العدو الصهيوني لا تستحق تسمية أكثر من "ورقة"، لأنها لائحة اعترافات بحقوق العدو بأن يكون حراً في الحكم على الوقائع والافتراضات التي يراها مناسبة، وهذه الورقة لم تمنحه فقط آجالاً للانسحاب الكيفي "على كيفه"، بل باتت السلطة الحكومية اللبنانية تعمل لديه بصفة مراقب على المقاومة وحتى على قيادة الجيش، على أن تكون قضايا عودة النازحين وإعادة الإعمار في الجنوب اللبناني وفق الخرائط "الإسرائيلية" التي تحدد المسموح والممنوع خارج الخط الأصفر الذي رسمه العدو لحماية المستوطنات الشمالية.
قالها نتانياهو حرفياً: "إيران كانت ستُخرجنا من لبنان بالقوة، وهذه الاتفاقية مع لبنان هي التي ستبقينا هناك".
وبالفعل، أعلنت إيران يوم الأربعاء، وقف المفاوضات مع أميركا لسببين:
أولاً: عدم وقف إطلاق النار على جبهة لبنان، بما يعني عدم التزام الولايات المتحدة بإجبار "إسرائيل" على وقف الإنتهاكات والانسحاب من لبنان، وهذا اتفاق إطار بين إيران وأميركا من أربعة عشر بنداً، وأي إخلال ببند منه يعطي إيران الحق بوقف المفاوضات.
ثانياً: محاولة أميركية لفتح مسار للسفن محاذٍ لمضيق هرمز، بالتزامن مع زيارة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إلى ثلاث دول خليجية هي الإمارات والكويت والبحرين، بهدف "طمأنة" هذه الدول أن مصالحها في صلب المفاوضات مع إيران، أما لماذا استثنى الدول الثلاث الأخرى، السعودية وقطر وعُمان من زيارته، فلأن موقف السعودية غير قابل "للتطويع"، وموقف قطر رافض "للتطبيع"، وموقف سلطنة عُمان مشابه للموقف الإيراني حول حقوق البلدين في فرض رسوم خدمات على البواخر العابرة للمضيق.
محاولة أميركا "تدشين" المسار الجديد عبر تمرير باخرة قصفتها إيران، دفع بترامب الى قصف المناطق المحاذية لمضيق هرمز في الداخل الإيراني مع تهديد جديد بإبادة إيران، لكن الرد الإيراني جاء سريعاً وقاسياً على قواعد وأصول أميركية في الكويت والبحرين، ليتراجع ترامب عن تهديد الإبادة، وأطلق تغريدة كاذبة؛ أن إيران طلبت لقاء في الدوحة لبحث مسألة المضيق.
إيران أنكرت أنها طلبت هكذا لقاء، والخارجية القطرية نفت أن يكون هناك ترتيبات للقاء أميركي إيراني في الدوحة، وبالفعل وصل الوفد الأميركي المفاوض إلى العاصمة القطرية ولم يحضر أي مسؤول إيراني، واكتفى الأميركيون بمباحثات مع المسؤولين القطريين وعادوا أدراجهم على وقع إعلان كبير المفاوضين الإيرانيين محمد باقر قاليباف وقف المفاوضات مع أميركا، إلى حين التزام "إسرائيل" بوقف الانتهاكات في جنوب لبنان وبدء الانسحاب، إضافة إلى رفع العقوبات عن إيران وعدم البحث بمسألة إدارة مضيق هرمز خارج سلطة إيران وسلطنة عُمان، وعدم "ابتداع" مسارات موازية للمضيق تحت طائلة قصف السفن المخالفة.
هذا ما يحصل على مستوى المفاوضات التي تحكم إيقاعها إيران، لأن إدارة ترامب عاجزة عن العودة إلى الحرب، بعد أن غرقت بما فيه الكفاية في مضيق هرمز، وأمام السواحل الإيرانية، وبالتالي فإن مَن يحكُم مضيقاً يخنق اقتصادات العالم هو المنتصر في هذه الحرب، وهو القادر على ما يبدو على حُكم كل مسارات التفاوض من هرمز حتى الليطاني، وما عدا ذلك من أوراق، حبر على ورق...
اتفاق الاستسلام اللبناني والصمت عنه: إعدام المشروع المقاوم _ د. نسيب حطيط
إطار الأشواك الأميركي - "الإسرائيلي" وملحقه الأمني.. يباس حتمي _ يونس عوده
"الحسينيون المنفردون"... بديلًا عن الأنفاق والصواريخ _ د. نسيب حطيط