أقلام الثبات
تتجاوز زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لدمشق معانيها الرمزية، لتغدو حدثاً يتحرك ضمن خريطة أوسع تتقاطع فيها حسابات النفوذ والأمن والاعتراف الدولي.
وتعقيباً على هذه الزيارة، ترى مصادر سياسية سورية أن "زيارة ماكرون تأتي في إطار مسعى لإعادة إدخال فرنسا إلى معادلة سوريا قبل أن تستقر توازنات ما بعد الحرب بعيداً عنها".
وتشير المصادر إلى أن "الوفد الاقتصادي المرافق يحمل ثقلاً خاصاً، فالشركات الفرنسية في هذه الزيارة ليست مجرد طرف اقتصادي يبحث عن عقود، بل جزء من محاولة أوسع لتحويل إعادة الإعمار إلى نفوذ سياسي طويل الأمد. فالدخول إلى قطاعات البنية التحتية والخدمات الأساسية يعني الاقتراب من قلب الدولة الناشئة، حيث يصبح الاستثمار أداة لإعادة تشكيل الاستقرار والارتباطات الإقليمية في آنٍ واحد".
وتضيف المصادر: "فرنسا لا تستطيع منافسة تركيا على الحدود الشمالية، ولا تملك أدوات روسيا السابقة في الساحل، ولا الحضور العسكري للولايات المتحدة في شرق سوريا. لكن باريس تعتقد أنها تمتلك أدوات نفوذ مختلفة، تقوم على الاعتراف السياسي والغطاء الأوروبي والقدرة على التأثير في مسار العقوبات والاستثمار".
الأمن شرط السوق
وتؤكد المصادر أن "التصريحات وحدها لا تكفي لطمأنة المستثمر الفرنسي، لأن رأس المال يبحث عن أمن قابل للقياس، لا عن وعود سياسية. فالاختبار الحقيقي أمام سلطة دمشق يتمثل في قدرتها على ضبط الداخل، وتحييد بقايا العنف، ومنع التوترات المحلية من التحول إلى مصادر تهديد دائمة، وحتى إذا تصدر الاقتصاد عناوين الزيارة، فإن الأمن سيبقى جوهرها الأعمق، فباريس ترى أن اضطراب سوريا لا يتوقف عند حدودها، بل يتحول سريعاً إلى ضغط على أوروبا، سواء عبر الهجرة أو التهريب أو عودة التهديدات العابرة للحدود".
وترى المصادر أن "التحول الأوروبي تجاه دمشق لا يعني نهاية أدوات الضغط. فالوثيقة الأوروبية التي نقلتها رويترز في نيسان 2026 تحدثت عن نية الاتحاد الأوروبي تعميق الانخراط مع سوريا، واستئناف اتفاق التعاون لعام 1978، وفتح حوار سياسي رفيع مع السلطات الانتقالية، مع إعادة صياغة نظام العقوبات بما يحافظ على النفوذ الأوروبي ويستهدف معرقلِي الانتقال. ولا تعمل العقوبات كأداة ضغط قانونية فحسب، بل كوسيلة لإدارة المجال الاقتصادي نفسه، إذ تتحكم بمسارات التمويل والاستثمار والتجارة، وتحدد القوى القادرة على دخول السوق السورية وتلك التي تبقى على هامشه. فأوروبا تريد المشاركة في إعادة الإعمار من دون أن تفقد القدرة على الضغط".
وترى المصادر ذاتها أن "فرنسا لا تريد أن يتحول ملف إعادة الإعمار إلى مجال نفوذ عربي وتركي فقط، وأن تبقى أوروبا ممولاً إنسانياً من بعيد بينما تتوزع العقود الاستراتيجية بين الآخرين. لذلك تأتي إلى دمشق وفي يدها خطاب سياسي عن الانتقال، ومعها شبكة شركات تبحث عن موقع مبكر".
الرسائل إلى أنقرة وتل أبيب وموسكو
وتعتبر المصادر أن "زيارة الرئيس الفرنسي تتجاوز بعدها الثنائي لتمس حسابات العواصم الأكثر انخراطاً في الملف السوري، فباريس تسعى إلى إعادة وضع سلطة دمشق في معادلة أوسع لا تحتكرها أنقرة من الشمال، وتل أبيب من الجنوب، وموسكو عبر إرث النظام السابق. وترى باريس في سوريا عقدة استراتيجية تربط المتوسط بالخليج، وتركيا بالعالم العربي، ولبنان بالعراق، والهجرة بالأمن الأوروبي. وفي المقابل، ترى سلطة دمشق في باريس بوابة للاعتراف والتمويل والعودة إلى النظام الدولي".
وبين هاتين الرؤيتين تقف الحقيقة الصعبة: فسوريا ليست ملف علاقات خارجية فقط، بل أرض تحتاج إلى دولة قادرة على إدارة التنوع، وضبط السلاح، وتوزيع الموارد، وإقناع الخارج بأن المال لن يضيع في الفوضى.
إن زيارة ماكرون لدمشق هي لخريطة تتحرك، وليس إلى عاصمة ثابتة.
زيارة ماكرون لدمشق... والرسائل إلى أنقرة وتل أبيب وموسكو _ حسان الحسن
الثلاثاء 07 تموز , 2026 12:13 توقيت بيروت
أقلام الثبات
زيارة الشيباني للبنان: انفتاح سوري على بلد أبوابه مفتوحة لأيٍّ كان _ أمين أبوراشد
متى يسقط وقفُ إطلاق النار السياسي مع حكومة التطبيع؟ _ د. نسيب حطيط
زيارة الشيباني.. والصراع التركي "الإسرائيلي" على المنطقة _ د. ليلى نقولا