عشرة الفجر… حين تنفّس التاريخ من رئة الشعب

الأربعاء 11 شباط , 2026 12:02 توقيت بيروت أقلام الثبات

خاص الثبات

ليست كلّ الأيام سواء، فبعضها يمرّ عابرًا كنسمة، وبعضها يبقى عالقًا في ذاكرة الزمن كنبضٍ لا يخفت. ومن بين تلك الأيام، يطلّ الحادي عشر من شباط 1979 كفجرٍ لم يكن شروق شمسٍ فحسب، بل شروق أمةٍ من تحت ركام الصمت.

قبل أن يُولد ذلك الفجر، كان الليل طويلاً… ليلٌ مثقلٌ بالاغتراب، بالقبضة الحديدية، وبالأسئلة المؤجلة. خمسة عشر عامًا قضاها الإمام روح الله الخميني بعيدًا عن وطنه، لكن المنفى لم يُطفئ صوته، بل جعله أكثر حضورًا في القلوب. كان جسده بعيدًا، لكن فكرته كانت تمشي في الأزقّة، تُهمس في المساجد، وتكبر في صدور الشباب.

وفي الأول من شباط، لم تعد طهران مدينة عادية. الأرض التي لامست قدماه صارت مسرحًا لعناقٍ تاريخي بين قائدٍ وأمّة. لم يكن الاستقبال مجرد حشود، بل كان طوفان شوقٍ وصبرٍ متراكم. ملايين خرجوا لا ليستقبلوا رجلًا، بل ليستقبلوا وعدًا طال انتظاره.

عشرة أيام فقط… لكنها كانت بحجم قرون. في اليوم الثاني بدأت ملامح التحوّل تتشكّل بإعلان المجلس الوطني الإسلامي، وكأن الثورة لم تكن صرخة غضب عابرة، بل مشروع دولة يولد من رحم الإيمان. وفي اليوم الرابع، حين أعلن ضباط من سلاح الجو إضرابهم عن الطعام، لم يكن ذلك حدثًا عسكريًا بقدر ما كان إعلانًا أخلاقيًا: حتى من حملوا السلاح اختاروا أن ينحازوا لصوت الشعب.

الجيش الذي كان يُظنّ أنه درع النظام، تصدّع أمام إرادة الجماهير. والجنود الذين تدربوا على الطاعة، اكتشفوا أن للوطن طاعةً أسمى. الشوارع امتلأت بالهتافات، لكن الهتاف لم يكن ضجيجًا؛ كان بيانًا شعبيًا مفتوحًا يكتب بمداد الجرأة.

ثم جاء الحادي عشر من شباط…

في ذلك اليوم، لم تسقط حكومة فحسب، بل سقط خوفٌ تراكم في النفوس. لم يُهزم نظام فقط، بل انتصرت فكرة أن الشعوب إذا آمنت بقضيتها، تستطيع أن تغيّر معادلات القوة. كان انتصارًا لم يعتمد على ترسانة سلاح بقدر ما اعتمد على ترسانة قلوبٍ متّحدة.

الثورة الإسلامية لم تكن مجرد انتقال سياسي، بل تحوّل في الوعي. كانت إعلانًا بأن الهوية ليست تفصيلًا ثانويًا في حياة الأمم، وأن الاستقلال ليس شعارًا يُرفع، بل ثمنًا يُدفع. رجال ونساء، شيوخ وشباب، التفّوا حول راية واحدة، لا تجمعهم مصلحة آنية، بل حلمٌ مشترك بفجرٍ جديد.

ذلك الفجر لم يكن نهاية طريق، بل بدايته. فقد ولدت الجمهورية الإسلامية من رحم التضحية، وحملت معها رسالة تقول إن الاستقلال قرار، وإن السيادة مسؤولية، وإن الوقوف في وجه الطغيان ليس خيارًا موسميًا بل نهجًا.

وفي كل عام، حين يعود الحادي عشر من شباط، لا يعود كتاريخٍ في رزنامة، بل كمرآةٍ تُذكّر الأجيال أن الحرية لا تُستورد، وأن الكرامة لا تُوهب، وأن الدماء التي سالت لم تكن نهاية حياة، بل بداية وطن.

عشرة الفجر لم تكن عشرة أيام عادية… كانت لحظة وعيٍ جماعي، حين قرر شعب أن يكتب مصيره بيده. ومنذ ذلك الحين، لم يعد التاريخ كما كان، لأن أمةً قررت أن تكون، فكانت.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل