الزهايمر الأميركي.. والذاكرة الإيرانية _ أمين أبوراشد

الخميس 16 تموز , 2026 03:28 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات

تسمية "الشيطان الأكبر" لم تطلقها إيران عبثاً، لأن ذاكرتها تحفظ التاريخ، والولايات المتحدة احتفلت بذكرى 250 عام على تأسيسها، أمضت 228 منها في الحروب، بدءاً من مجازر الهنود الحمر وحتى الحرب الحالية على إيران، ويبدو أن الزهايمر مرض مزمن لدى الشعب الأميركي وليس لدى الرئيس ترامب وحده، لأن كل حروب أميركا كانت خائبة، سواء حاربت مباشرة، أو عبر استخدام الآخرين أدوات غبية لحروبها، والغباء متوفر في الخليج وسائر الشرق الأوسط بكميات هائلة تفوق مخزون النفط.
وليس مطلوباً من القادة الخليجيين والعرب قراءة التاريخ البعيد، ولا المرور على خيبات أميركا في فيتنام والعراق وأفغانستان، لأن "التجربة العربية" في تجربة العلاقات مع أميركا كافية لتبيان جدوى الإنبطاح لها، خصوصاً عندما يكون ساكن البيت الأبيض شخصاً غير سويّ على المستوى العقلي والفكري والإنساني، ويُصاب بنوبات التغيير على مدار الساعات والدقائق، لدرجة أنه خلال الإثنين وسبعين ساعة الماضية، قرر وتبدَّل وتراجع في مسألة مضيق هرمز عبر عدة طروحات، فيما البورصات العالمية تتراقص صعوداً وهبوطاً مع أسعار النفط على وقع انفعالاته.
ولم يعد مضيق هرمز من المشاكل الأساسية التي فرملت المفاوضات، بل بات هو كل المشكلة، مع انكفاء البحث في النقاط الباقية ومن ضمنها الملف النووي، وإيران لم تخالف البند الخامس المتعلق بالمضيق في إتفاقية التفاهم، الذي ضَمِن لها سلطة الإشراف على عبور السفن وفق المسارات المحددة، لكن إدارة ترامب هي التي انقلبت على الإتفاقية، وحددت مساراً جديداً للسفن بمحاذاة السواحل العُمانية، فحصل الاحتكاك العسكري الأول عندما أقدمت القوات البحرية في الحرس الثوري الإيراني على قصف ثلاث سفن مخالفة للمسار المحدد في الإتفاقية، بينها واحدة سعودية والثانية قطرية، واحتدمت المعارك من جديد عبر القصف المتبادل والغير مسبوق في عنفه. 
و"الزهايمر الأميركي" لم يعُد يقتصر حالياً على ساكن البيت الأبيض وحده، بل انتقلت العدوى إلى الحزب الجمهوري الحاكم الذي يطالب بالغزو البري لإيران، مع إلزامية مشاركة الدول الخليجية بالعمليات، مما زاد من حدَّة تقلبات ترامب في محاولات الضغط على إيران بشأن إدارة المضيق، حيث أعلن بداية عن إدارته أميركياً وفرض "جعالة حماية" بنسبة 20% على قيمة حمولة كل سفينة، ثم تراجع وأعلن عن تحصيل هذه "الجعالة" من دول الخليج وذكرها بالاسم: السعودية وقطر والإمارات والكويت، مقابل حماية ناقلات نفطها وسفنها، ليعود لاحقاً عن قراره ويُطالب هذه الدول ببدل حماية من إيران كمساهمة واجبة عليها في أعباء الحرب. 

العقلانية التي تتحلى بها دول الخليج في مقاربة الأمور وخاصة سلطنة عُمان والمملكة السعودية وقطر، هي التي تُفرمل مغامرات ترامب في الذهاب بعيداً نحو "الانتحار البرِّي" في الداخل الإيراني، لأن دولاً حديثة البناء أعلى ما لديها ناطحات سحاب زجاجية لا تحتمل الردود الصاروخية من إيران في حال تورطت بأي هجوم بري مزعوم، خصوصاً أن قواتها البرية "المستوردة" من اليمن والسودان وعُمان، لا تؤهلها لهكذا ورطة، لأن نتيجة المواجهة ستكون حطاماً من زجاج لهياكل من رمال، وسقوط أنظمة عائلية في مقدمتها نظام آل نهيان في أبوظبي وتفكك وحدة الإمارات. 

وإذ يكرر البنتاغون التحذير من فقدان أكثر من نصف القوة الصاروخية الاعتراضية الأميركية خلال 39 يوماً من المواجهات مع إيران، مع كلفة غير متماثلة، لجهة استخدام صاروخ أميركي بقيمة 4 ملايين دولار لإسقاط مُسيَّرة  
 إيرانية قيمتها بضعة آلاف من الدولارات، أو تعريض حاملات ومدمرات كلفتها مليارات الدولارات لخطر زوارق انتحارية إيرانية، فإن مؤيدي استمرار هذه الحرب بدوا أكثر جنوناً من ترامب.

ثلاث نقاط قوة ستمتلكها إيران وربما "إلى الأبد" في هذه المواجهة، جميعها أقوى من النووي ومن الباليستي، ولا تستطيع أية قوة في العالم نزع هذه النقاط منها:

- مضيق هرمز لن يُفتح سوى بإرادة إيرانية، ليس لأنها متشاطئة معه فحسب، بل لأنها باتت تعتبره من مياهها الإقليمية بعد أن تم استخدامه للعدوان عليها، وهي الدولة الوحيدة التي لديها مكامن الكمائن للألغام البحرية التي تزرعها في أعماقه وتنزعها ساعة تشاء، بعد أن منعت كاسحات الألغام الأوروبية من دخوله. 

- باب المندب هو "الخنَّاق" الثاني للاقتصاد العالمي، ومتى قررت إيران ومعها "أنصار الله" في اليمن إغلاقه لدواعٍ أمنية ودفاعية، فإن الصرخة الدولية ستتعالى بوجه أميركا لوقف عدوانها.

- ما من حرب انتهت في سلسلة حروب أميركا كما ستنتهي الحرب على إيران تحت عنوان "الثأر"، لأن المرشد الراحل السيد علي خامنئي استشهد في منزله مع بعض أفراد عائلته ضمن مُسمَّى عملية اغتيال، ولم يكن على متراس مواجهة أو ساحة حرب مباشرة، ورسالة السيّد مجتبى خامنئي عقب تشييع والده والتي تضمّنت "حتميّة الانتقام والثأر " من قتلته واضحة، مع الإفصاح عن دور مرتقب لأحرار من انحاء العالم سيؤدون جزءاً من المهمة، وقرار الثأر بات رسمياً بدعم شعبي كبير وبموافقة مجلس الشورى الإيراني، وما على ترامب ومَن معه في "لائحة الثأر" سوى تمضية ما تبقى من أعمارهم في تحسس أعناقهم، لأن الذاكرة التي تستحضر الحسين عليه السلام على مدى 1400، لن تنسى من ارتكبوا مجازر كربلاء العصر .


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل