"القواعد الأميركية".. مسلسل رمضاني ساخر أبطاله عرب _ أمين أبوراشد

الأربعاء 04 آذار , 2026 10:41 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات

لا حاجة للعرب في شهر رمضان الحالي لمُسحَّراتي يقرع لهم الطبل، مادامت كل طبول الحرب تُقرع حولهم، ولا مدفع للصائمين، لأن دوي المدافع يرافقهم من السحور إلى الإفطار براً وبحراً وجواً، وبكل التقنيات المتطورة، ويتابعون في صيامهم وقيامهم ومع صلوات التراويح، مسلسل القواعد الأميركية الرابضة على الأراضي العربية، يتناقشون حولها ويتصايحون ويختلفون ويتعاركون، سواء كانوا صائمين أو مُفطرين، أو مُغيَّبين عن الواقع كعادتهم منذ نشأة الجامعة العربية، ويتوافقون في النهاية حول طبق "الكبسة"، أن القاعدة العسكرية أرض أميركية وهي كما السفارة لها حصانة، حتى ولو حكمت عروشهم وقبضت على رقابهم.

الخلافات بين العرب في هذا "المسلسل الرمضاني"، لا تتناول شرعية وجود القواعد الأميركية من عدمها، وهل هي تقوم بدورها الدفاعي عن سيادة كل دولة تنتشر فيها أم لا، بل الخلاف الحقيقي هو في الإطار القانوني لهذه القواعد، هل هي تتمتع بحصانة السفارات؟ وهل تعتبر أرضاً أميركية؟ وهل هناك سلطة للدول المضيفة على هذه القواعد؟ والأجوبة تأتي عربية خالصة: هي كما السفارة، وداخل أسوار كل قاعدة أسرار الحقيبة الدبلوماسية، وهي أرض أميركية خالصة منفصلة عن سيادة الدولة المضيفة، يدخٌل إليها مَن يدخُل ويخرُج منها مَن يخرُج، والسماء العربية مشرَّعة لطائراتها وصواريخها وكامل عديدها وعتادها.

ثم تتعقٌَد الأمور، خلال تقييم أبطال المسلسل للحرب على إيران، وتقييم جدوى هذه القواعد في الدفاع عن الدولة المُضيفة بمواجهة الصواريخ الإيرانية، فيتبيَّن أن هذه القواعد بالكاد تحمي نفسها، من "العُديد" في قطر، إلى "الظفرة" و"جبل علي" في الإمارات، و"عين الأسد" و"أربيل" في العراق، و"الأمير سلطان" في السعودية، و"قيادة الأسطول الخامس" في البحرين، ولكل قاعدة مهامها الميدانية على مستوى تنسيق أنشطة القوات الأميركية العسكرية والاستخبارية والعملانية على امتداد الأقاليم العربية.

ويقول الصحفي الأميركي "تاكر كارلسون" أن أجهزة الأمن السعودية والقطرية، ألقت القبض منذ ساعات على عناصر من الموساد يزرعون متفجرات في مناطق ضمن الدولتين المذكورتين، لاتهام الحرس الثوري الإيراني بها، علماً بأن إيران أصدرت بيانات متكررة بأنها تنشد أفضل العلاقات مع الدول الخليجية، وأنها من منطلق دفاعي تتولى قصف القواعد الأميركية.

هذه القواعد أقيمت أصلاً في الدول الخليجية بذريعة حماية هذه الدول، في الوقت الذي كانت فيه أميركا تبرم صفقات أسلحة بمليارات الدولارات على مدى عقود مع دول الخليج، بهدف حمايتها من "البعبع النووي الإيراني"، رغم تكرار إيران تأكيداتها بأنها من منطلق ديني لا تنوي إنتاج هكذا سلاح دمار شامل قد يقضي على أرواح أبرياء.

ولأن الحرب في الغالب شائعات، تنتشر كالنار في الهشيم لمزيد من النار، تتداول بعض المواقع الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي، أخباراً وصوراً وفيديوهات، عن انفجار في أنابيب الغاز الإيراني بمنطقة الأهواز، وأن القوات السعودية قصفت هذا الأنبوب رداً على القصف الإيراني لمحطة تكرير النفط السعودي التابعة لشركة آرامكو في رأس تنورة، وهكذا تنتقل الحرب من أميركية - "إسرائيلية" على إيران، إلى حربٍ خليجية - خليجية، بل إسلامية - إسلامية. 

صندوق أسرار الدول الخليجية، رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري السابق حمد بن جاسم يقول:
"يجب على دول مجلس التعاون ألا تُجَرَّ إلى مواجهة مباشرة مع إيران، رغم أن إيران انتهكت سيادة دول المجلس وكانت البادئة بالهجوم على دولنا، ولكن يجب ان يكون هناك موقف في دول المجلس، أن نمعن النظر في هذا الأمر بأبعاده المختلفة، فهناك قوى تريد أن تشتبك دول المجلس مباشرة مع إيران، وهي تعلم أن الاشتباك الحالي بين الولايات المتحدة و"إسرائيل" من جهة، وإيران من جهة أخرى سينتهي، ولكن الاشتباك المباشر بين دول المجلس وإيران إن وقع، سيستنزف موارد الطرفين وسيتيح الفرصة لقوى كثيرة للتحكم بنا بحجة مساعدتنا للخروج من الأزمة ووقف الاستنزاف، ولذلك فإن من المهم تجنب الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع إيران، وهذا هو رأيي الشخصي".

وأضاف بن جاسم: "علينا كذلك أن ندرك أنه بعد انتهاء هذه المعركة، التي أريد لها أن تندلع قبل انتهاء مفاوضات السلام التي كنا نعول عليها كثيرا لتجنب الصراع، ستكون هناك قوى جديدة في المنطقة وسيكون ل"إسرائيل" سطوة على منطقتنا". 

هنا لا بد من التوقُّف أمام ما نُقِل عن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، أن الخليجيين لم يأخذوا بنصيحة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي عام 2015، بضرورة قيام جيش عربي إسلامي موحٌَد لحماية حدود ومصالح هذه البلدان، وأن السيسي قال حرفياً: "مصر لديها جيشها القوي لحماية نفسها، لكن بالنسبة لكم، أنتم بحاجة لتشكيل جيشٍ موحَّد ينتشر في بلدانكم"، لكن بعض قادة هذه الدول رفضوا اقتراح السيسي وأجابوه: "لدينا قواعداً أميركية تحمينا عند الحاجة". وها هي القواعد الأميركية اليوم، تحمي دول الخليج على الطريقة الأميركية، مقابل سيولة تلعقها الإدارات المتعاقبة، وترامب بالذات لا يشبع من اللعق!


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل