سنةٌ ونصف ونحن تحت النار .. اليوم، وأكثر من أي وقتٍ مضى، خيارنا هو المقا.ومة

الإثنين 02 آذار , 2026 11:04 توقيت بيروت أقلام الثبات

خاص الثبات

منذ عامٍ ونصف، ونحن نعيش على حافة الخوف.

نستيقظ على صوتٍ يشبه القيامة، وننام على قلقٍ لا يهدأ. ثمانية عشر شهرًا من القصف المتكرر، من الطرقات التي ابتلعت أبناءنا، ومن البيوت التي تهدمت فوق ذكرياتنا. ثمانية عشر شهرًا ونحن نُختبر في قدرتنا على الاحتمال، كأن أرواحنا خُلقت لتتحمل ما لا يُحتمل.

نحن أناسٌ بسطاء أردنا حياةً عادية دون التخلي عن الكرامة: مدرسةً آمنة لأطفالنا، مساءً هادئًا بلا صفارات إنذار، وبيتًا يبقى واقفًا حين نصحو في الصباح. لكن الواقع كان أقسى من أحلامنا، وكان الانتظار أطول من أعمار الصبر في صدورنا.

عامٌ ونصف والدولة تتراجع خطوةً بعد خطوة، حتى صار الغياب موقفًا، والصمت سياسة. عامٌ ونصف ونحن نسأل: من يحمي الناس إن لم تحمِهم دولتهم؟ من يقف بينهم وبين الموت إن لم يكن هناك درعٌ يحتمي به الجميع؟ لم نطلب المستحيل، طلبنا حقًا بديهيًا: أن نعيش بأمان في بيوتنا، كل هذا من دون أن تُطلق المقاومةُ رصاصةً واحدة، تاركة الأمر للدولة التي من المفترض أن تحمينا.

كبر الحزن فينا حتى صار جزءًا من تفاصيل يومنا.

صرنا نودّع أبناءنا كل صباح وكأننا نعتذر منهم لأننا لم نستطع أن نمنحهم وطنًا مطمئنًا. صرنا نحمل مفاتيح بيوتنا بقلقٍ، كأننا نعلم في أعماقنا أن الأبواب قد لا تبقى في أماكنها. ومع ذلك، صبرنا. صبرنا لأننا لا نملك رفاهية الانهيار، ولأن خلف كل دمعةٍ طفلًا يحتاج إلى قوةٍ نستعيرها من وجعنا.

واليوم، حين يرتفع صوت الغضب، لا يرتفع طلبًا للانتقام، بل طلبًا للكرامة. الكرامة التي تأخرت طويلًا، والتي لم تعد شعارًا يُرفع، بل ضرورةً للبقاء. ليس مقبولًا أن يستمر النزيف بلا نهاية، ولا أن يتحول الخوف إلى روتينٍ يومي. ليس مقبولًا أن يُلام المكلوم لأنه صرخ، أو أن يُدان المجروح لأنه طالب بحقه في الأمان.

نكتب هذه الكلمات ونحن على الطرقات، نغادر بيوتنا مثقلين بما لا يُحمل في الحقائب: صورنا، ضحكاتنا، وجوه الذين رحلوا. نغادر ونحن نعلم أن العودة ليست وعدًا أكيدًا، لكنها أملٌ نتمسك به كي لا نسقط.

لقد طال الانتظار، وتعب القلب من الصمت.

إما أن نعيش بكرامةٍ تليق بدم أبنائنا،

وإما أن كل هذا الألم كان عبثًا لا يليق بوطنٍ نحبه رغم كل شيء.

اليوم مع المقاومة أكثر من أي وقت مضى.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل