"مجلس السلام" لإدارة 360 كلم مربع من الدم والدموع والدمار _ أمين أبوراشد

الأربعاء 11 شباط , 2026 08:39 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات

تلقى العديد من قادة العالم دعوة لحضور الاجتماع الافتتاحي لـ"مجلس السلام" الذي شكّله الرئيس الأميركي ​دونالد ترامب،​ والمقرر عقده في 19 شباط الجاري.

نكاد نقول مهلكم في الهرولة يا نصف دول العالم، لرفع الهدم والردم وركام الأحلام، لأجيال تعاقبت على مدى 77 سنة لبناء أمل بدولة فلسطين، ولو كما قطاع غزة من الصفيح والقضبان والغضب. دولة يتيمة والدتها "عروبة"، ووالدها من أحفاد أبي جهل، الذين تناسلوا من المحيط إلى الخليج لأجل {خير أمة أٌخرِجَت للناس}، أمَّة تمتاز بالتنوع "الحضاري"، بين مَن يحتسون النفط بملاعق من ذهب، وبين مَن يلعقون فضلات موائد حيتان بقلوب من حطب.

وفي حين وافقت بعض الدول على الحضور مثل الأرجنتين والمجر، رفضت ذلك دول أخرى بما فيها فرنسا وإيطاليا والنروج وتشيكيا وكرواتيا، فيما أعلن الرئيس الروماني "نيكوسور دان" أنه تلقى دعوة لحضور الاجتماع، لكنه أضاف أن بلاده لم تحسم بعد قرارها بشأن المشاركة في الجلسة الأولى لـ"مجلس السلام"، وأوضح أن الأمر يتوقف على "المناقشات مع شركائنا الأميركيين حول صيغة الاجتماع بالنسبة إلى دول مثل رومانيا ليست في الواقع أعضاء في المجلس لكنها تود الانضمام إليه شرط مراجعة ميثاقه".
مآخذ بعض الدول على "مجلس السلام" أنه بدعة استعراضية واستغلالية من ترامب لإحلاله مكان مجلس الأمن الدولي ومؤسسات الأمم المتحدة، وترسيخ مبدأ أحادية الهيمنة الأميركية على العالم، رغم أن هذه الهيمنة قد سقطت هيبتها في قطاع غزة، عندما عرض ترامب شراء القطاع وتحويله إلى "ريفييرا"، ورفض سكانه مغادرته، لا إلى سيناء ولا إلى الأردن ولا لأية دولة إفريقية اقترحها، واختياره "مجلس السلام" هو نتيجة عجزه عن فرض تسوية في القطاع الذي سوَّته بالأرض آلة الحرب الأميركية والنجاسة الصهيونية.

"مجلس السلام" هذا، هو هيئة انتقالية دولية مُخوّلة بموجب قرار مجلس الأمن رقم 2803 الصادر في نوفمبر 2025، لدعم إدارة وإعادة إعمار قطاع غزة وإنعاشه اقتصادياُ في أعقاب الحرب الفلسطينية الإسرائيلية التي بدأت في أكتوبر 2023، وأعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رسميًا عن تأسيسه في 15 يناير 2026 عبر منشور على وسائل التواصل الاجتماعي.

وإذ استثنى القرار تعيين "إسرائيلي" في هذا المجلس، تم الإعلان عن أعضاء المجلس التنفيذي وهم:
نيكولاي ملادينوف  – الممثل السامي لغزة.
ماركو روبيو  – وزير الخارجية الأميركي.
ستيف ويتكوف – المبعوث الأميركي الخاص للشرق الأوسط.
جاريد كوشنر – صهر دونالد ترامب.
توني بلير – رئيس وزراء المملكة المتحدة الأسبق.
مارك روان – الرئيس التنفيذي لشركة Appolo Global Management.
أجاي بانغا  – رئيس البنك الدولي.
روبرت غابرييل جونيور – مستشار سياسي أميركي.

وهذا المجلس، ما زال اللغط يدور حول مصادر تمويله لإعادة إعمار غزة، وأن عشرات الدول التي انضمت إليه، يتوجب على كل دولة منها دفع مساهمة بقيمة مليار دولار إذا رغبت بالبقاء فيه لأكثر من ثلاث سنوات، فيما أوضح مسؤول أميركي لقناة العربية/الحدث أن مبلغ المليار دولار الذي يُرتقب أن تدفعه كل دولة مشاركة في المجلس ليس إلزامياً، إذ يمكن أن يستعاض عنه بمساهمات كبيرة للدول في المشاريع، وتبدو أميركا ترامب في هذه "الشركة" وكأنها تقول لكل مساهم: "شحَّدني وأنا سيدك"، سيما وأنها تمرّ بأخطر مرحلة على المستوى الاقتصادي منذ أزمة الائتمان العقاري عام 2008.

باختصار شديد، شهدت أميركا خلال العام الأخير من ولاية جو بايدن والعام الأول من ولاية ترامب أزمة ركود غير مسبوقة، وبات كل مواطن من أصل خمسة عاجزاً عن دفع إيجار منزله، واثنان من أصل خمسة عاجزَين عن تسديد قسط بطاقة الائتمان المصرفي Credit Card، وارتفعت كلفة الوجبة الغذائية في أي مطعم شعبي من عشرين دولاراً إلى نحو سبعين، وهذا ما تسبب خلال عام واحد بإقفال عشرات آلاف المطاعم.

يقول الملياردير والوزير السابق في حكومة ترامب إيلون ماسك، أن الولايات المتحدة ستُفلس حتماً، والدين العام يتراكم بشكل جنوني، والذكاء الاصطناعي هو المنقذ الوحيد"، وهذا ليس التصريح الأول الذي يطلقه ماسك، الذي حذّر من أن الولايات المتحدة تتجه نحو كارثة مالية حتمية، ما لم تتمكن تقنيات الذكاء الاصطناعي والروبوتات من إحداث تحول جذري في الاقتصاد الأميركي يخفف عبء الديون المتراكمة.

 وليس بالضرورة الدخول في الأرقام التي أوردها إيلون ماسك بالتفصيل، لكن الولايات المتحدة ترزح تحت ديون تبلغ 18.5 ترليون دولار، لكن يكفي الاطلاع على فيديو المواجهة النارية للسيناتور "كريس فان هولن"، مع وزير الخارجية "ماركو روبيو" منذ أيام، حيث اعتبر "هولن" أن ولاية ترامب هي أسوأ ولاية في تاريخ أميركا، واتهمه باختلاسه مع عائلته من المال العام أكثر من مليار وأربعمئة مليون دولار منذ أقسم اليمين إلى الآن في ولايته الثانية، واستند "هولن" إلى ما ورد في "النيويورك تايمز" حول اتهام ترامب بالفساد سواء في الداخل أو في إقامة علاقات تجارية خارجية عائلية، خاصة مع تركيا والإمارات على حساب مصالح الولايات المتحدة.

هذا هو ترامب رئيس "مجلس السلام" الذي ينادي بإعادة إعمار غزة، ولكن على أيدي المساهمين الأعضاء في هذا المجلس، ولا يُستبعد أن يفرض مستقبلاً عقوبات على الدول التي ترفض الانضمام أو تطلب الانسحاب منه، فيكون ترامب قد حقق مبتغاه كما سمسار عقارات، وأنشأ شركة عقارية بأموال الغير، على غرار الصفقات العائلية مع تركيا والإمارات، ولسنا أعلم من إيلون ماسك بشخصية وأداء دونالد ترامب، ولا نحن نمتلك معلومات نيويورك تايمز من عقر دار البيت الأبيض، بانتظار أن تُضاف إلى سجل التاجر المجنون وثائق "جزيرة إبستين"، وعلى الشعب الأميركي الحكم على مسيرة مختلس وقح، يراه بعض ملوك وأمراء ورؤساء الدول العربية، ملاك الرحمة الآتي لإقامة قطاع غزة من الموت.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل