أهالي الجنوب يطالبون بدولة الإعمار... لا بدولة تفجير السلاح ومحاضر الضبط _ د. نسيب حطيط

الأحد 08 شباط , 2026 09:47 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات
بعد سنة على تنصيبه رئيساً للحكومة، احتفل الجنوب وأهله وأحزابه بزيارة رئيس الحكومة، ممثلاً للدولة اللبنانية، في جولته على القرى المدمّرة. ومع الترحيب بعودة الدولة عن مسارها الخاطئ بتخليها عن الجنوب، والذي أعادها إليه أهله وكل المقاومين بعد تحريره عام 2000، بعدما تخلّت عنه عام 1969 لصالح الفلسطينيين بموجب اتفاق القاهرة، ثم تنازلت عنه عام 1982 "للإسرائيليين" باتفاق 17 أيار، وغادرته في حرب الستة والستين يوماً، فهجرت مواقعها العسكرية ومؤسساتها الرسمية مع الأهالي.. عادت الدولة إلى "جنوب الليطاني" لتفجر ذخائر المقاومين وتصادر أنفاقهم وصواريخهم بدلاً من طرد جيش الاحتلال، كما عادت لتنظم محاضر ضبط بحق الأهالي الذين حاولوا ترميم غرفة في بيوتهم المدمرة لإيواء أنفسهم بعدما تركتهم في العراء، ونصبت الحواجز للتدقيق في دفع رسوم الميكانيك والأوراق القانونية، لتعرقل حركة الناس والطلاب الهاربين من القصف.
يطالب أهل الجنوب بدولة تدعو إلى الإعمار واحتضان ودعم المهجرين والتعويض على الشهداء والجرحى، لا بدولة تدعي أنها نظفت الجنوب من المقاومين، ولم تنظفه من الاحتلال!
يطالب أهل الجنوب بدولة قادرة على حمايتهم، لا بدولة تدعو إلى نزع سلاحهم وتؤيد حصر السلاح بيد الاحتلال!
يطالب أهل الجنوب بدولة تمثل الأم الحاضنة والحنونة والراعية التي تسهر عليهم، لا "الأم" التي تتركهم عندما يطلب يدها كل عابر سبيل، وتوقع اتفاقاً معه! 
بعد أربعة عشر شهراً من تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، نسأل: ماذا فعلت الدولة للجنوب وأهله، وللضاحية وأهلها، وللبقاع وأهله، الذين دمّرت "إسرائيل" بيوتهم وصادر التكفيريون والنظام الجديد في سوريا بيوتهم وطردوهم من قراهم؟
 نرحب بكل مبادرة تحمل في ظاهرها الخير، لأهالي الجنوب وتساعد على تضميد جراحهم وتخفيف آلامهم ومعاناتهم، وتعطيهم أملاً بالعودة إلى بيوتهم وقراهم، لكننا لا نرحب بزيارات "البانادول" السياسي أو الانتخابي التي تمارس خداع الوعود الفارغة للجائعين في الجنوب، خصوصاً بعد إقرار ميزانية لم ترصد الأموال التي يحتاجها إعمار الجنوب، ولا ترقى إلى المستوى المطلوب، حيث تم تخصيص بضعة ملايين من الدولارات ، مقارنة بخسائر ،تقدّر بخمسة مليارات دولار أو أكثر حتى الآن! تتنافس الأطراف السياسية، قبل ثلاثة أشهر من الانتخابات النيابية، بنثر الوعود، بإعادة الإعمار للجنوب وتأمين المساعدات وبدلات التعويض حتى شهر أيار الانتخابية. ونتساءل: هل تستطيع الحكومة التي ستصبح حكومة تصريف أعمال بعد أشهر أن تُنفّذ جزءًا مما عجزت أو امتنعت عن تنفيذه خلال الأربعة عشر شهرًا الماضية؟
 نأمل أن يستفيد أهالي الجنوب من هذه الزيارات والبيانات والتصريحات، مع أننا نشك في ذلك، وعلينا الحذر من أن تكون الزيارة مجرد محاولة لتجميل صورة الحكومة المقصّرة، أو هدية مسمومة لإيهام أهالي الجنوب بأن الحكومة مستعدة لإعمار كل منطقة تُسلّم سلاحها، وذلك تمهيدًا لنزع سلاح المناطق الواقعة شمال الليطاني!
 لم يطرد أهل الجنوب الدولة يومًا، بل كانوا يناشدونها بالعودة إليهم، لكنها لم تفعل، فأعادوا إليها بسط سلطتها حتى الحدود بدعم من المقاومين، وصار للجيش اللبناني كلمته وفرض قراره بإسناد من المقاومة، لكن بعد "الانتكاسة" "المؤقتة" للمقاومة وتهجير أهلها، خسرت الدولة سلطتها، وأصبحت تنتظر الإذن الإسرائيلي لعودة الجيش إلى مواقعه، أو وتنتظر الأوامر "الإسرائيلية" للجيش لتفتيش البيوت أو تفجير منشآت وصواريخ المقاومين، وتمنعه من امتلاكها!
 لا يريد أهل الجنوب عودة الدولة التي تُساعد العدو – بقصد أو بغير قصد – فتُعلي صراخها ضدهم وتستعمل قوتها ضدهم وتقف عاجزة أمام العدوان الإسرائيلي بحجة عدم قدرتها، فإذا كانت عاجزة وغير قادرة، فعليها ألا تستخدم ما تملكه من قوة ضد المقاومة القادرة على لجم العدو وردعه.
قديما، اخترع البعض "مصاصة من المطّاط" لإسكات الأطفال الجائعين وخداعهم... ويبدو أن بعض الزيارات الحكومية هي "مصاصة مطّاطية" لأهالي الجنوب؛ انتظارًا لطبخة "البحص" التي لن تنضج على نار الوعود الوهمية والتي ستنطفئ بعد إجراء الانتخابات، ويبدو أن الجنوبيين سَيُلْدغون من جحر الدولة وغيرها مرتين وأكثر... وقديمًا قيل "تجوع الحرة... ولا تأكل من ثدييها"، وحاضرًا نقول: "يجوع أهل المقاومة... ولا يأكلون من سلاحهم".


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل