عندما يُفجَّر المسجد: التكفير كأداة قذرة في حروب الخراب

السبت 07 شباط , 2026 05:11 توقيت بيروت أقلام الثبات

خاص الثبات

لم يعد تفجير مسجد في باكستان، أو في أي بقعة من العالم الإسلامي، حدثًا صادمًا بقدر ما أصبح دليل إدانة صارخ على بقاء الفكر التكفيري حيًّا، يُعاد تدويره كلما دعت الحاجة إلى الفوضى. تفجير مسجد خديجة الكبرى في إسلام أباد، أثناء صلاة الجمعة، ليس مجرد عمل إرهابي عابر، بل رسالة دموية متعمدة مفادها أن هذا الفكر لا يعترف بحرمة، ولا يقيم وزنًا لدين، ولا يرى في الإنسان سوى هدف قابل للإبادة.

الفكر التكفيري لم يولد صدفة، ولم يستمر لأنه قوي ذاتيًا، بل لأنه وُظِّف بعناية. هو أداة رخيصة في يد قوى كبرى لا تريد لهذه المنطقة أن تعرف استقرارًا، ولا لمجتمعاتها أن تلتئم. تُحرّكه متى شاءت، وتُطلقه حيثما أرادت، ليضرب في عمق المجتمعات من داخلها، مستغلًا الجهل، والفقر، والانقسامات المذهبية والسياسية.

الخطير في هذا الفكر أنه لا يقتل فقط، بل يُكفّر قبل أن يقتل، ويُجرّد ضحيته من إنسانيته قبل أن يسفك دمه. لا يفرّق بين مسلم وغير مسلم، ولا بين مصلٍّ ومدني، ولا بين رجل وامرأة، ولا بين طفل وشيخ. الجميع عنده سواء: “مخالف” يستحق الإلغاء. وهنا مكمن الرعب الحقيقي، لأننا أمام عقلية ترى في الإبادة فضيلة، وفي الجريمة عبادة.

السكوت عن هذا الواقع لم يعد حيادًا، بل تواطؤًا. والمواجهة الأمنية وحدها، مهما بلغت شدتها، تبقى قاصرة إن لم تترافق مع معركة فكرية وثقافية ودينية شاملة. معركة تفضح هذا الفكر، وتعرّيه، وتكسر هالته الزائفة، وتعيد الاعتبار لدينٍ بُني على الرحمة لا على الذبح، وعلى العقل لا على التكفير.

إن تفجير مسجد في يوم جمعة يجب أن يكون جرس إنذار أخير: إما تعاون عربي وإسلامي صادق لاجتثاث هذا السرطان من جذوره، أو استمرار النزيف بلا نهاية. فالإرهاب التكفيري لا يُهزم بالمجاملات، ولا يُحتوى بالتبريرات، ولا يُغذّى بالصمت.

الرحمة لشهداء المسجد، والشفاء للجرحى، لكن الرحمة وحدها لا تكفي. ما يكفي هو وعيٌ صلب، وموقف واضح، وقرار جماعي بأن هذا الفكر لا مكان له بيننا… لا اليوم، ولا غدًا.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل