أقلام الثبات
فجأة خفَّت لهجة الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضد إيران، وبات مطلبه عدم تمكينها من بناء قدراتها النووية وتخفيف قدراتها الصاروخية، وهو في آخر تصريح له قال: "الإيرانيون حاولوا الوصول للموقع النووي الذي دمرناه، ولكنهم لم يتمكنوا من ذلك، واكتشفنا أنهم كانوا يفكرون في إعادة بناء موقع نووي جديد في منطقة أخرى، وحذرناهم من مغبَّة بناء منشأة نووية جديدة، وسمعت أن إيران تحاول إعادة برنامجها النووي، وسنُرسل المقاتلات مرة أخرى إذا قامت بذلك ندعم المحتجين في إيران والبلاد في حالة فوضى وعلى المرشد الإيراني أن يكون قلقاً للغاية.. ونحن نتفاوض مع إيران".
بالتزامن مع أزمة عدم قدرة ترامب على تنفيذ العدوان وإسقاط النظام الإيراني، ووسط انخفاض حاد قي شعبيته وصل الى 36%، كان مجلس النواب الأميركي يطالب بكشف كافة وثائق فضيحة "جزيرة إبستين" بأغلبية 427 صوتاً مقابل صوت واحد، لتنتقل القضية إلى مجلس الشيوخ الذي طالب التعجيل بإيصالها إليه، فيما وجد ترامب نفسه محرجاً أمام ثلاث صحفيات، سألنَه عن علاقته بهذه الفضيحة فأجاب الأولى وقال لها: "أنتِ خنزيرة"، وللثانية: "أنتِ أعرفكِ منذ عشر سنوات، ولم أرَ الابتسامة على وجهك يوماً"، وقال للثالثة: "أنتِ بشعة كوكالة الأنباء الكاذبة التي تمثلينها، لدينا عمل أهم يجب أن نفعله من أجل أميركا ".
ويبدو أن الديمقراطيين قرروا الفعل، ربما كردَّة فعل على النهج الاستعلائي لترامب، وأطلَّ النائب الديمقراطي تيد ليو على الإعلام، وأكد أن اسم دونالد ترامب قد تكرر آلاف المرات في وثائق فضائح جيفري إبستين، وأنه كان من زبائن تلك الجزيرة المشبوهة، ولا يمكن للقضاء الأميركي التغاضي عن أن مجرد تكرار زيارة ترامب لجزيرة إبستين يخالف ما ورد في القانون الفدرالي حول الشذوذ والإتجار بالبشر، وطالب النائب ليو الصحافة بضرورة كشف كامل الحقائق حول روَّاد تلك الجزيرة، علماً بأن الرئيس الديمقراطي الأسبق بل كلينتون وزوجته هيلاري هما من أجمعت العديد من المصادر الإعلامية أنهما كانا من هؤلاء الروَّاد.
كتبت الدكتورة ليلى الهمامي عن فضيحة "جزيرة إبستين" مقالة بعنوان: هل ينتهي ترامب كما انتهى كنيدي!؟، اعتبرت فيها أن "زلزال إبستين هز أركان الإدارة الجمهورية في واشنطن، وخلّف وراءه ارتدادات غير محسوبة من الظنون وتمسُّ أكثر من قيادي في أكثر من قطاع".
واعتبرت الهمامي، أن الدولة العميقة عبر وزارة العدل، سمحت بالكشف عن وثائق إبستين، رداً على قرار ترامب نشر الوثائق المتعلقة بالتحقيقات حول اغتيال الرئيس جون كندي، وهي فرصة ثمينة معادية لنهج ترامب الساعي إلى وضع يده على كل مؤسسات الدولة الفيدرالية، إضافة إلى الرغبة بضرب عصب الرّبط بينه وبين "إسرائيل"، لأن إبستين كان من أهم أعوان الموساد، وجزيرته المزروعة بأحدث تكنولوجيا التسجيل والتنصُّت، كانت المصيدة التي تمكن من خلالها الموساد من رهن أكثر من شخصية قيادية بارزة في أميركا والعالم، وبهذا الكشف تمكنت الدولة العميقة من إسقاط عصفورين بحجر واحد: إنهاء سطوة دونالد ترامب الداخلية على المؤسسات، ووضع حد لطموحه الخطير الذي يهدد فعلياً الزّعامة الاميركية على العالم، خاصة الفصل الحاد بين "إسرائيل" والإدارة الأميركية، لأن اندفاع ترامب خلال الحرب "الإسرائيلية" على غزة وعلى ايران، يمثل تهديداً للمصالح الأميركية في المنطقة.
ويتساءل الديمقراطيون عن جدوى شن العدوان على إيران، أو التفاوض معها مجدداً حول الملف النووي، الذي أبرم الاتفاق حوله الرئيس الديمقراطي باراك أوباما عام 2015، وألغاه الجمهوري ترامب عام 2018، ويتساءل أحد النواب الديمقراطيين ويقول: نحن ندعم دولة بمبلغ 26 مليار دولار في السنة فيما لدينا 250 مليون أميركي معظمهم جياع، وهذه الدولة التي لا نعرف اسم عاصمتها إذا كانت تل أبيب أو القدس، لم تتمكن من مواجهة إيران لأكثر من 12 يوماً لو لم نسارع الى نجدتها.
وفي تقييم للسنة الأولى من ولاية ترامب الثانية، هناك إجماع من خصومه، على أنه حَشَر نفسه شخصيّاً طرفاً مباشراً في كلّ القضايا الملتهبة، فأينما تيمّم وجهك تجده أمامك. إن رأى أنّ حضوره في أزمةٍ ما يتطلّب أن يكون وسيطاً، يفعل، وإن تطلّب أن يكون طرفاً منحازاً لا يتردّد، وإن احتاج إلى التهديد المباشر باستخدام القوّة العسكريّة الجبّارة التي تمتلكها دولته العظمى، فإن يده على الزناد، وإن احتاج إلى عمليّةٍ هوليوديّة كما فعل مع نيكولاس مادورو فليكُن، ولا يتردّد في تقديم "بطولاته" للعالم نموذجاً يمكن أن يتكرّر في أيّ وقتٍ ومكانٍ ومع أيّ زعيم.
في ولايته الأولى حاول فرض مدرسته هذه، لكن قُطع طريقه بإسقاطه، وحاول أن يشاغب بأن فعل ما لم يجرؤ غيره على فعله، وهو التشكُّك في نزاهة الانتخابات، وادّعاء تزويرها على نحو صريح، وتوجيه أنصاره لاقتحام الكونغرس والمجاهرة بأنّه سيفعل ما لم يفعله غيره بأن يعود إلى معترك الانتخابات بعد نجاحٍ وفشلٍ ثمّ نجاح.
دونالد ترامب بنظر الشارع الشعبي الأميركي ظاهرة سينمائية واقعية، حبس أهل الشرق الأوسط دولاً وشعوباً أنفاسهم وهم يشاهدون حاملات الطائرات العملاقة تجتاح بحارهم، بينما كانت شوارع إيران تغصّ بالمتظاهرين المناوئين للنظام، اشترك ترامب في التظاهرات على طريقته الخاصّة، بفعل ولعه في إثبات حضوره الطاغي في أيّ حدث، وطالب المتظاهرين بالاستمرار والتصعيد، وكأنّه يوجّههم بالريموت، وحين كان يُنقل إليه ما يفيد بأنّ التظاهرات هدأت قليلاً، كان يعِد المتظاهرين بأنّه في الطريق إليهم.
يتباهى بقوّته على الحلفاء التقليديّين مثلما يفعل مع أوروبا وحلف الناتو، ويموّه على ضعفه أمام منافسيه الأقوياء
حين لم يتمكّن المتظاهرون من اجتياح حصون المؤسسات الحكومية الإيرانية، وجد عقلاء ينبّهونه إلى أنّ الحكاية ليست إسقاط نظامٍ بتظاهرة أو بعملٍ عسكريّ وحسب، بل ماذا سيحلّ بإيران والمنطقة إذا ما وقعت الحرب؟ وما ستخلّف من فوضى واشتعالٍ وخروجٍ عن السيطرة؟
لقد أحاط ترامب نفسه بطاقمٍ مطيعٍ وعلى مقاسه، مؤلّفٍ من أركان الدولة الأساسيّين، وتوافرت له أغلبيّةٌ برلمانيّةٌ في مجلسَيْ صنع القرار، الشيوخ والنوّاب، ومع أنّهم يعرفون مزاجيته لكنهم يحتاجون إلى زعامته في تنافسهم التقليديّ مع الخصم الديمقراطيّ، لكن "أفلامه" إذا ما استمر بعرضها واستعراض نفسه أمام العالم، فإن الشكوك باتت تدخل ظنون الأميركيين أن هذا الرجل قد لا يكمل ولايته لأكثر من سبب.
فضيحة ترامب بقضية "جزيرة إبستين" لا تٌقارن بفضيحته مع عارضة الأزياء التي لجأ الى رشوتها لكسب صمتها خلال الحملة الانتخابية لولايته الأولى، لأن ثلاثة ملايين صفحة عن فظائع "جزيرة إبستين" الأخلاقية، طالت الى جانب ترامب، زوجته ميلانيا، حيث أعلن الصحفي الأميركي مايكل وولف الذي كان الصديق المقرِّب من إبستين، أنه يمتلك نسخاً من الوثائق التي تدين ترامب وزوجته في هذه القضية، وأن ترامب تعرَّف إلى ميلانيا عن طريق "إبستين"، مما يثبت أن فضائح "جزيرة إبستين" لم تدخل فقط عقر دار الحزب الجمهوري الحاكم فقط، ولا البيت الأبيض فقط، بل الزوايا الحميمة في مسكن دونالد ترامب، وقد أرسلت ميلانيا إنذاراً إلى وولف بوجوب حذف الفيديو الذي يتناولها تحت طائلة رفع دعوى ضده وتغريمه مبلغ مليار دولار.
وحيث إن ذهاب وزارة العدل الأميركية إلى النهاية في كشف أسرار "جزيرة إبستين" ما دامت هذه إرادة الدولة العميقة، فإن النتائج السياسية ستكون كارثية ليس فقط على أميركا، بل أن هناك أسماء قادة وزعماء دول وقعوا ضحايا كاميرات وأجهزة تنصُّت إبستين، وقد يكون تفجير هذه القضية أخطر من الخطر النووي الإيراني الذي يدَّعيه ترامب، لأن وثيقة واحدة وصورة واحدة قد تسقط بسببها أنظمة وتطير كراسي حُكم ولكن، إذا كانت جريمة قتل جون كنيدي عام 1963 ما زالت في دهاليز وزارة العدل الأميركية منذ 62 عاماً فأية عدالة تُرتجى من دولة عميقة عُمق قبور ضحايا أميركا عبر العالم.
صعوبات تواجه عودة الحريري ــ عدنان الساحلي
الحرب "الإسرائيلية" على المدنيين... لإسقاط للمقاومة _ د. نسيب حطيط
" ضربة مباغتة ".. ماذا لو غدر نتنياهو بترامب ونسف المفاوضات؟! _ ماجدة الحاج