أقلام الثبات
بدأت "إسرائيل" باستهداف المدنيين وتدمير بيوتهم وارزاقهم، بعدما كانت تستهدف المقاومين ومنشآتهم، فقامت باغتيال "السيد الشهيد" والقيادات المركزية، ثم القادة الوسطيين وصولاً إلى العناصر العاديين.
ويأتي هذا التحوّل نتيجة اليأس "الإسرائيلي" من إمكانية القضاء على المقاومة ونزع سلاحها، سواء عبر الدولة اللبنانية أو عبر عملياتها العسكرية، ونتيجة الخوف الذي يعيشه المستوطنون والجيش "الإسرائيلي"، فقد استخدمت السلاح الكيماوي لإحراق المزروعات والأحراج على طول الحدود، خشية استمرار وجود المقاومين على الحدود رغم السيطرة الجوية.
يعتقد العدو "الإسرائيلي" أنه رغم القصف والمصادرة والتفجيرات التي قام بها الجيش اللبناني، فإن المقاومة تمكنت من تعويض جزءٍ مما فقدته، ويخوض الطرفان صراعاً معقداً، فالمقاومة تعيد ملء ترسانتها وتستمر "إسرائيل" بقصفها لتفريغها، دون أن تتمكن من حسم الميدان، ورغم القصف والاغتيالات المستمرة، وما ألحقه بالمقاومة وأهلها من خسائر بشرية تجاوزت الألف شهيد وجريح ومئات الوحدات السكنية، لكنه لم ينجح في تحقيق الأهداف "الإسرائيلية" المتمثلة بنزع السلاح، والقضاء على المقاومة، أو تأمين الأمن على الحدود الشمالية، بالرغم من تثبيت "إسرائيل" للمنطقة العازلة الخالية من السكان، التي لم ولن تلغي التهديد الصاروخي الذي تملكه المقاومة في حال قرّرت استئناف عملياتها العسكرية، إذ تملك صواريخ يبلغ مداها أكثر من 100 كلم، مما يُقلل من أهمية "مفهوم" المنطقة العازلة حتى لو امتدت إلى نهر الزهراني مع قدرة المقاومة على التسلّل براً وبحراً كأفراد إلى الداخل "الإسرائيلي"، ليس لإحداث خسائر عسكرية كبرى، بل لزعزعة الأمن ، بهدف استعادة بعض قواعد الردع التي تمنع قصف البيوت وتدميرها، كمرحلة أولى لاستعادة الردع الكامل.
لقد بدأ العدو "الإسرائيلي" بتركيز معركته ضد المدنيين، عبر الإزعاج والتهديد المستمر بالطائرات المسيرة، ووضع أهل الجنوب في حالة طوارئ دائمة وغير مستقرة، والذين يجمدون مشاريعهم حتى انتهاء الحرب ويتعرضون لاستنزاف قدراتهم الاقتصادية عبر قصف معامل الباطون ومعارض آليات الحفر والزراعة والبناء (كالجرافات)، وتدمير الأحياء السكنية وإحراق الأحراج، وفق التكتيك الذي استخدمته أمريكا في فيتنام بحرق الغابات لكشف أنفاق وثوار الفيتناميين وتسهيل تحركات الطائرات الأمريكية، أو بما قام به الرئيس العراقي صدام حسين بتجفيف الأهوار في جنوب العراق لكشف مخابئ الثوار العراقيين.
يهدف العدو إلى تجفيف البحر الحاضن لـ"السمك المقاوم"، وتحريضه للانقلاب على المقاومة وجعله منبوذاً كأفراد وجماعة بحجة إبعاد الخطر وتحويل المقاوم من فرد مُحترم ومحبوب في قريته ومحيطه إلى شخص غير مرغوب فيه، لا يستطيع استئجار شقة ، أو المشاركة في مناسبة اجتماعية كحفلة أو جنازة أو عرس.
تراهن "إسرائيل" على نجاح خطتها حتى لو استمرت لعشر سنوات أو أكثر، خصوصاً أن الحكومة اللبنانية، الخاضعة للإملاءات الأمريكية والتهديدات "الإسرائيلية"، تساعد على نجاح هذه الخطة، ولو بغير قصد، من خلال التقاعس عن الإعمار، ومنع المساعدات، وعدم إعادة الودائع أو زيادة الرواتب ،مما يزيد من الضغط الاقتصادي والفقر والبطالة، ويدفع البعض، في حالة انفعال، للانقلاب على المقاومة، أو الحياد عنها، وربما ينزلق بعض ضعاف النفوس إلى العمالة.
إن مواجهة الحرب "الإسرائيلية" ضد المدنيين المقاومين تستدعي ان تلتفت قوى المقاومة، لهذا الواقع وأن تقوم بدورها في تحصين الأمن الاجتماعي والمعيشي بالتوازي مع إعادة ترميم القوات العسكرية، لأن إعادة ترميم "المجتمع المقاوم" ثقافياً وعقائدياً واقتصادياً لا يقل أهمية عن ترميم القوة العسكرية، فخسارة تأييد الناس أخطر من خسارة السلاح الذي يمكن تعويضه بيوم أو يومين، بينما لا يمكن تعويض خسارة الناس إلا بمرور جيل أو جيلين.
إن المراهنة على صبر الناس وإيمانهم، مع إهمال تلبية متطلباتهم المعيشية الأساسية التي لا تزال دون المستوى المطلوب، هو رهان خاسر، ولا بد من إعادة تقييم طريقة التعامل مع الناس واحترامهم، بحيث لا يقتصر الأمر على الخطاب التعبوي الذي يعتمد على إيمانهم وصبرهم وشجاعتهم فحسب، بل يجب أن يكون وفق الحديث النبوي (مع الدعاء... قليلٌ من القطران) وتقديم مساعدات مادية ومالية واقتصادية معيشية، فقد سقطت القلاع والإمبراطوريات العظيمة ، بسبب الحصار والجوع والعطش، رغم امتلاكها جيوشاً جرارة، وعلينا أن نمنع انهيار "مجتمعنا المقاوم"، الذي صمد أمام الطائرات والصواريخ والمجازر، عبر تأمين رغيف الخبز والدواء، ولا ننسى أن الإمام الحسين (عليه السلام)، حتى في ذروة معركة كربلاء لم ينسَ عطش الأطفال والنساء، فأمر أخاه أبا الفضل العباس بإحضار الماء من "الفرات".. وقد استشهد أثناء تنفيذ مهمته.
الحرب "الإسرائيلية" على المدنيين... لإسقاط للمقاومة _ د. نسيب حطيط
الجمعة 06 شباط , 2026 08:56 توقيت بيروت
أقلام الثبات
" ضربة مباغتة ".. ماذا لو غدر نتنياهو بترامب ونسف المفاوضات؟! _ ماجدة الحاج
مغالطات حول استرداد الدولة سيادتها وسلطتها على جنوبي الليطاني ــ د. نسيب حطيط
العدوانية الأميركية دون تأجيل: أسباب مسار التفاوض مع إيران ــ يونس عودة