أميركا.. والصدمات التي لَجَمَت "الكاوبوي" ــ أمين أبوراشد

الأربعاء 04 شباط , 2026 09:17 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات

كتب الصحفي الأميركي الشهير توماس فريدمان، أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب بعث برسالة إلى رئيس وزراء النروج يوناس غار ستوره قال فيها: "أحد أسباب رغبتي بالسيطرة على غرين لاند، أن بلادكم لم تمنحني جائزة نوبل للسلام رغم أني أوقفت ثماني حروب عبر العالم، ولذلك لم أعد أشعر أني ملتزم بالسلام فقط، رغم أنه يبقى أولوية بالنسبة لي، لكن بات يمكنني التفكير الآن بما هو جيد ومناسب للولايات المتحدة الأميركية".
وتساءل فريدمان في مقالته عن الذي يحكم أميركا حالياً، وقال: "أصبح سلوك ترامب متهوراً إلى هذا الحدّ، وأنانياً إلى هذا الحدّ، ومتناقضاً بشكلٍ واضح مع المصالح الأميركية، ونسأل: هل تُحكم أميركا الآن بواسطة ملكٍ مجنون؟

والرئيس ترامب موضوع تحت مجهر خبراء علم النفس في بعض المؤسسات الأكاديمية الأميركية، التي تعتبر أنه نموذج مثالي يستحق الدرس قياساً إلى أدائه كرئيس لأعظم دولة في العالم، دون التطرق لحياته الخاصة، بل لتأثير شخصيته على الحياة السياسية ليس فقط في الداخل الأميركي بل في كل الخارج.

إحدى أبرز سمات الرئيس الأميركي النفسية، هي "النرجسية الطموحة الاستغلالية"، التي تجعله يرى نفسه خارج أطُر النهج التقليدي في العمل السياسي، وأنه فوق التعقيدات البيروقراطية لمؤسسات الدولة، رغم أن بلاده قائمة على التعاون المؤسساتي، لكنه يمتلك حيلة التحرر من القيود والتصرف منفرداً، دون الدخول في صدام مع الكونغرس على سبيل المثال أو مع البنتاغون. وكون الرئيس ترامب يمتلك هذه السمة النرجسية، فهو يتوقع دائماً أن ينال إعجاب الآخرين به، لا بل التصفيق له والانبهار بحضوره.  

سِمَة ثانية لديه تجعله متمايزاً عن أسلافه، هي "الاندفاع والمخاطرة"، وهو لا يتوانى عن ارتجال المواقف والقرارات، وهذه السِمَة هي التي طبعت ولايته الأولى، لكن يبدو أنها طاغية بشكل خطير على الولاية الثانية، بدءاً من غزة التي قرر "شراءها" وتهجير أهلها إلى مصر والأردن ثم إلى افريقيا لجعل القطاع "ريفييرا" ومنتجعات سياحية، ثم إعلانه عن قدرته على إنهاء الحرب الروسية الأوكرانية خلال أيام، ثم الضرائب التي ارتجلها على المكسيك وكندا والصين وبعدها الدول الأوروبية، وارتدَّت سلباً عليه بضرائب مقابلة من كل الدول المعنية، ما جعل قراراته الضريبية إخفاقات وخيبات وتنازلات من طرفه، إضافة إلى نهج تعاطيه مع دول ذات سيادة وكأنه سمسار عقارات أو "تاجر جملة"، ورمى ببصره على قناتي بنما والسويس لاستملاك الأولى واستخدام الثانية مجاناً، ثم ارتحل بعد فشل صفقة ضم كندا إلى غرين لاند، يعرض احتلالها حيناً وشرائها أحياناً، واشترى بذلك عداوة معظم الدول الأوروبية.

آخر ثلاث مغامرات متزامنة لترامب كانت مع فنزويلا وإيران وسوريا. 
اختطاف الرئيس الفنزويلي وزوجته من قلب القصر الرئاسي في العاصمة كاراكاس، وسوقهما الى نيويورك، بهدف إسقاط النظام الثوري الاشتراكي في فنزويلا، وهذا ما لم يحصل، وكان درساً قاسياً لترامب قبل المغامرة الثانية مع إيران. 

تعامَلَ ترامب مع إيران بأن شَكَّل مظلة عملاقة من التهويل، تستعد منذ أشهر للتحليق على أجنحة مئات القاذفات الأميركية في الأجواء الإيرانية، إضافة إلى  المدمرات والبوارج بين مياه الخليج والبحر المتوسط، وفيما العالم كان يترقب تحقيق حلم ترامب بإسقاط النظام في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، جاءت الصفعة من الشعب الإيراني نفسه، وخاصة من المتظاهرين لأسباب اقتصادية حين دسَّ العملاء بينهم، ومن خلال التحقيقات مع المعتقلين من  عملاء الموساد وأجهزة الاستخبارات الأميركية الذين بلغ عددهم بالمئات، أدرك  ترامب أن إيران أكبر من أن تُساق كسواها بسوط الكاوبوي، وأعلن عن بدء مفاوضات معها عبر وزير خارجيتها عباس عراقجي والمبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف، مع ترجيح حصول اللقاء الأول في مدينة إسطنبول التركية، وقد يكون إسقاط مادورو دون سقوط النظام في فنزويلا، هو العبرة التي قادت ترامب إلى طاولة المفاوضات مع إيران، على وقع إعلان طهران عن تجهيز قبور لخمسة آلاف جندي أميركي.

في سوريا الوضع مختلف، دون أن تختلف الثقافة الأميركية الرديئة التي تستهلك الحلفاء وترميهم في النهاية كما الأدوات المستعملة، وهذا تاريخ أميركا منذ زمن فيتنام حتى عصر أفغانستان وصولاً إلى الأكراد الذين حاربت بهم ما تسمى داعش، وباعتهم خلال ساعات، عندما قررت إرضاء تركيا بكامل الشمال السوري مقابل كامل الجنوب ل"إسرائيل" على حساب حلم الأكراد بحكم ذاتي في شمال شرق سوريا، وتحقق للأكراد جزء من حلمهم منذ أيام عبر لامركزية سياسية وأمنية، نتيجة التضامن الشعبي الكردي في مناطق كردستان الكبرى في سوريا والعراق وتركيا وإيران، وحمام الدمّ كان متوقعاً في الحسكة والقامشلي وسائر المناطق السورية ذات الغالبية الكردية برضا أميركي ومباركة تركية، لو لم يبادر السيناتور الجمهوري رفيع المستوى ليندسي غراهام بالتعاون مع السيناتور الديمقراطي ريتشارد بلومنثال، إلى تقديم مشروع قانون إلى الكونغرس تحت اسم "قانون إنقاذ الأكراد"، وقال غراهام في منشور على "إكس": "إن المشروع يحظى بدعم واسع من الحزبين الديمقراطي والجمهوري"، مؤكدا أن حماية الأكراد في سوريا وخارجها تحظى بإجماع سياسي في واشنطن، نظرا لدورهم بوصفهم حليفاً موثوقاً للولايات المتحدة في محاربة داعش.

في الخلاصة، ومع إعلان ترامب عن جمع تبرعات تقارب نصف مليار دولار لحملة الانتخابات النصفية في نوفمبر تشرين الثاني 2026، وإبداء مخاوفه من خسارة الجمهوريين للأغلبية في مجلس الشيوخ، فإن جماعة "لا ملوك" في الشارع الأميركي تتهيأ للانقضاض على صناديق الاقتراع، في محاولة لهزيمة الجمهوريين ليس انتقاماً من الحزب الجمهوري بل لتحجيم "الملك المجنون" وكبح جماح مغامراته.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل