من المسؤول عن اغتيال "نهج" الإمام الصدر وإعدام الطائفة الشيعية؟ ــ د. نسيب حطيط

الجمعة 23 كانون الثاني , 2026 09:45 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات
قدّم نواب من كتلتي "التنمية والوفاء" مشروع قانون "معجّل ومكرّر" إلى المجلس النيابي، لتعديل نظام المجلس الشيعي المتعلق بالهيئة الانتخابية، وأشاروا في الأسباب الموجبة إلى ضرورة ملء الشغور في رئاسة المجلس منذ وفاة الرئيس عام 2021، مبررين التعديل بالحرب المستمرة التي تعيق إجراء الانتخابات وفق النظام الداخلي الأساسي الذي وضعه الإمام موسى الصدر عند تأسيس المجلس، ليكون المجلس حاضنة لجميع الشيعة؛ بتنوعهم العقائدي والحزبي والأيديولوجي، ومؤتمراً عاما ً ومنصة للحوار والنقاش تضمن مصالح الطائفة، وتحفظ عقيدتها، وتوحد موقفها في الحوار مع الطوائف الأخرى، ضمن الثوابت التي أقرها المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى.
ما يثير الاستغراب والقلق الشديد هو تقدم نواب الطائفة الشيعية، الذين انتخبتهم الطائفة بكافة أطيافها (مدنيين وروحانيين)، قانون يلغي أهل العقل والفكر والاختصاص داخل الطائفة، ويسعى إلى استئصال التنوع فيها، عبر إلغاء حق التصويت لكل المدنيين الذين أقر الإمام الصدر حقهم في المشاركة بالانتخابات (من وزراء ونواب ونقابيين وأكاديميين وتجار وصناعيين ومغتربين وجمعيات ثقافية ورياضية...)، وذلك بقرار موجز يستبد به الخوف واحتكار السلطة وإعدام الرأي الآخر، سواء كان داعماً أو معارضاً.
لم يُوضِّح مقدمو مشروع القانون سبب اختيارهم لسن "الخمسين عاماً" كشرط لمشاركة علماء الدين في الانتخاب، ففي المعطيات الدينية، سن البلوغ يقارب الرابعة عشرة، وفي الأنظمة الوضعية يكون حق الانتخاب عند الثامنة عشرة أو الحادية والعشرين، ولم يرد شرط الخمسين عاماً في أي نظام وضعي أو ديني. كما أن ذكر الخمسين عاماً في المصطلح الديني يرتبط بالآية القرآنية عن طوفان نوح {فَلَبِثَ فِيهِمۡ أَلۡفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمۡسِينَ عَامٗا}، والتي تلتها إهلاكهم بالطوفان فهل إقرار هذا القانون ينذر بطوفان يُغرق الطائفة، وكذلك رياح "الخماسين" الحارة ،خصوصاً أن الأدبيات القرآنية والشيعية تفضل الرقم أربعين، حيث تلقى الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) الوحي في الأربعين، وواعد النبي موسى ربه "أربعين ليلة"، بالإضافة إلى زيارة الأربعين للإمام الحسين "عليه السلام" وذكرى الأربعين للمتوفى.
لماذا تريدون اعادتنا الى زمن محاكم التفتيش وابن تيمية، حيث كان من يعرف الفلسفة والكيمياء والمنطق وغيرها من العلوم، متهماً يجب إعدامه؟
لماذا تخشون الانتخابات وأنتم تملكون الأغلبية، سواء بالإكراه أو بالطواعية؟
لماذا تتنكرون لنهج الإمام الصدر الذي أصرّ على إجراء الانتخابات، رغم عدم امتلاكه للأكثرية الناخبة، ليؤسس سابقة في المنظومة الدينية الشيعية تقضي بألا تكون تحت رحمة السلطان الحاكم، فقد كان أغلب النواب والوزراء والنقابيين إما تابعين، لما عُرف بالإقطاع السياسي أو لليسار اللبناني، ومع ذلك أصرّ الإمام على الانتخاب حتى لو خسر المنصب، بهدف ترسيخ مبدأ استقلالية المنصب الديني عن هيمنة السلطة الحاكمة. 
والسؤال المطروح و... إذا كنتم الآن في السلطة وتستطيعون تعديل ما تشاؤون وتعيين من تشاؤون، ألا تخشون أن تعود السلطة إلى أحد المعارضين للفكر الديني والموقف السياسي الشيعي، فيقوم بانقلاب في المجلس الشيعي، مادمتم قد أسستم للانقلاب على نهج الإمام الصدر الذي حاول حماية استقلالية القرار عبر انتخاب رئيس للمجلس وهيئاته الشرعية والتنفيذية؟
 فالحكم زائل والسلطة إلى زوال مهما طالت، ولو دامت لغيركم ما وصلت إليكم، فلماذا تؤسسون لأمر يهدّد استقلالية قرار الطائفة الإسلامية الشيعية في لبنان وتزعمون أن السبب الموجب هو ملء شواغر رئاسة المجلس التي بدأت في عام 2021، فلماذا انتظرتم خمس سنوات دون وجود حرب أو ظروف استثنائية، وكنتم تمسكون بالسلطة بلا شريك؟
 ثم تبادرون الآن لاختيار اللحظة العصيبة التي تتعرض فيها الطائفة للقصف والتدمير والتهجير وتقع في دائرة التهديد الوجودي والحصار الخانق ونسألكم: هل أن مشاكل الطائفة يمكن أن تُحل بتعيين رئيس للمجلس؟ 
وهل تعتبرون من يُنتخب وفق هذا القانون ممثلاً للطائفة الشيعية أم ممثلاً لعلماء الدين الذين تجاوزوا الخمسين عامًا؟ 
لقد كان الأجدر إضافة تعديل على قانون التعديل للهيئة الناخبة يقضي بتغيير اسم المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى" ليصبح «المجلس الإسلامي للعلماء الشيعة فوق الخمسين عامًا»!
نناشدكم.. حفاظًا على إرث الإمام الصدر ونهجه، وتقديرًا للطائفة التي عانت واضطُهدت، نناشدكم التراجع عن هذا القانون الخاطئ، الذي تبدو صياغته متسرعة ومُرتجلة وكأنه كُتِب وقوفا ونطالب بسحب هذا القانون والعودة إلى النظام الأساسي الذي أقره الإمام الصدر (أعاده الله وحفظ نهجه الرسالي)، لضمان عدم اختزال القرار الديني للطائفة عندما تتغير الظروف ونَخرج من السلطة.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل