أقلام الثبات
تشهد منطقة الشرق الأوسط انعطافة جيوسياسية هي الأكثر خطورة منذ عقود، حيث تتقاطع الجذور التاريخية للصراع العربي "الاسرائيلي" مع طموحات "اسرائيلية" لإعادة صياغة النظام الإقليمي بالقوة. إن القراءة المتأنية للمشهد الراهن تكشف عن انتقال الاستراتيجية الإسرائيلية من مرحلة "احتواء التهديدات" إلى مرحلة "محاولة الحسم الشامل"، مستندة في ذلك إلى نجاح رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في توريط الولايات المتحدة مباشرة في المواجهة مع إيران، وعلى ان يعمد لاحقاً الى توسيع دائرة الصراع لتشمل ما وصفه بـ"المحور السني المتشكل".
منذ اندلاع الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، والتي أطاحت بأحد أهم حلفاء "إسرائيل" في المنطقة، سعت الأخيرة عبر استراتيجية "الفوضى المنظمة" الى تسعير النزاعات الطائفية وقام العراق بخوض حرب استنزاف ضد إيران، وصولاً إلى غزو الكويت وما تلاه من انهيار للمنظومة الأمنية العربية التقليدية.
هذه البيئة المضطربة أنتجت مسارين متصادمين في الفكر السياسي الإقليمي:
1. نهج "السلام المنفرد": وهو المسار الذي دشنه السادات وسارت عليه أغلب الأنظمة الرسمية العربية، والذي تخلى عن الكفاح المسلح وصولاً إلى عقد البعض منها "الاتفاقات الإبراهيمية".
2. نهج "محور المقاومة": الذي قادته مجموعات شعبية لمقاومة الاحتلال دعمته إيران.
أما اليوم، وبالرغم من كل ما حققته إسرائيل منذ طوفان الأقصى، يدرك نتنياهو أنه لا يستطيع اعلان انتصار كامل إلا بإسقاط النظام الإيراني أو ما يسميه الباحثون الإسرائيليون، قطع رؤوس الهيدرا حتى الوصول الى "الرأس الأساسي" في طهران. لكن المشكلة التي تعترض هذا الهدف، هي أن نتنياهو يدرك أنه لا يستطع الانتصار على إيران بدون الولايات المتحدة.
إن النجاح في استدراج القوة العسكرية الأميركية للمشاركة في حروب "إسرائيل" لتأسيس إسرائيل الكبرى يمثل حجر الزاوية في عقيدة نتنياهو الحالية، وهي تهدف بالمرحلة الأولى إلى إجبار النظام في إيران على الاستسلام التام أو السقوط، لإنهاء "حرب الاستنزاف" طويلة الأمد التي تخوضها "إسرائيل".
وبالرغم من أن معركته مع إيران لم تنتهِ بعد، بدأ نتنياهو في الترويج لضرورة التصدي لما يسميه "المحور السني المتشكل" الذي قد يعيق طموحاته الإقليمية. إن هذا التوجه يشير إلى أن الطموح "الإسرائيلي" لن يتوقف عند تحييد القوى الشيعية (محور المقاومة)، بل سيمتد لمواجهة الدول السنية الوازنة لفرض هيمنة "إسرائيلية" وإخضاع كل من لا يعارض. وعليه، يرى نتنياهو أن استكمال إعادة صياغة المنطقة يتطلب دفع الولايات المتحدة للصدام مع أي قوة إقليمية صاعدة، سواء كانت تحت لواء المقاومة أو تحت لواء قومي أو إسلامي سني، تحت ذريعة حماية "الاستقرار الإقليمي".
وهكذا، تقف المنطقة اليوم على أعتاب مرحلة "ما بعد الاستنزاف". إن نجاح نتنياهو في جعل واشنطن شريكاً عسكرياً ميدانياً يعني أن الحرب القادمة لن تلتزم بحدود الجبهات التقليدية، بل ستكون مواجهة شاملة تستهدف تغيير هوية المنطقة السياسية لعقود قادمة.
سنةٌ ونصف ونحن تحت النار .. اليوم، وأكثر من أي وقتٍ مضى، خيارنا هو المقا.ومة
تقييم نتائج اليوم الأول للعدوان العسكري الأمريكي - "الإسرائيلي" على إيران _ د. نسيب حطيط
"مساعدات الجولاني" تقفز من فوق النازحين… إلى طرابلس _ حسان الحسن