أقلام الثبات
تحشد الولايات المتحدة الأميركية أحدث وأقوى أسلحتها واساطيلها؛ في تهديد منها بشن حرب على الجمهورية الإسلامية في إيران. ويتوزع قسم كبير من هذا الحشد داخل القواعد العسكرية للكيان غير الشرعي، الذي يحتل فلسطين، فيما القسم الآخر ينتشر في البحر المتوسط؛ وفي القواعد الأميركية الموزعة في دول عربية وأوروبية، بل وإسلامية مثل تركيا؛ ما يؤكد المؤكد، بأن ما يسمى "إسرائيل" ما هي إلا قاعدة عسكرية متقدمة للغرب الاستعماري، الذي صنع ذلك الكيان، بعد أن أيقن فشل حروبه على المنطقة العربية، التي تقنّع فيها بشعار الصليب واسماها حروباً صليبية، فحولها لمشروع توراتي أسطوري كاذب، للسيطرة على شرق المتوسط وسرقة خيراته، تحت شعار "حدودك يا "إسرائيل" من الفرات إلى النيل"؛ ولمنع إقامة دولة موحدة فيه، تشكل خطرا على وجود الدول الأوروربية؛ وعلى مصالحها وأطماعها فيه.
وإذا كانت معظم الأنظمة العربية وحكوماتها، أقرت بهزيمتها، عملياً وفي إتفاقيات الإذعان والاستسلام، التي عقدتها مع كيان الغزاة الصهاينة، أو في العلاقات المفتوحة والعلنية، التي أقامتها أنظمة أخرى معه، فإن الجمهورية الإسلامية في إيران سارت عكس هذه الرياح، منذ أن اطاحت ثورة شعبها بنظام الشاه، الذي كان حليفا للكيان الصهيوني؛ وتابعاً ذليلا للأنظمة الإستعمارية، التي أعادته إلى الحكم في خمسينيات القرن الماضي، بعد أن أسقطه شعبه، وأبدله بحكومة محمد مصدق.
لكن الصراع القائم بين إيران والغرب والصهيونية، بقيادة الولايات المتحدة، ليس متكافئاً، ليس لأن إيران بلد صغير، بل هي بلد شاسع المساحة وسكانه يقاربون المائة مليون نسمة. لكن الخوف كل الخوف، أن تتكرر في إيران جريمة الغرب بحق سكان أميركا الأصليون، "الهنود الحمر"، أو يتكرر الانتصار غير المنطقي للسلطان العثماني سليم الأول، على سلطان المماليك قانصوه الغوري، في معركة مرج دابق، قرب حلب، عام 1516.
تغلب الغزاة الأوروبيون على "الهنود الحمر" بسبب تفوقهم التكنولوجي، إذ كانوا يملكون أسلحة نارية، فيما كان سلاح الأميركيين الأصليين الرماح والقوس والنشاب، ثم استورد الغزاة خريجي السجون الأوروبية أسلحة رشاشة، كانوا يحصدون بها أمواج الفرسان "الهنود"، وهناك من يقدر أن الغزاة الأوروبيين أبادوا الملايين من سكان أميركا الأصليين، حتى استتب لهم الأمر واستحوذوا على القارة الأميركية.
أما الغزو العثماني لبلادنا، فلم يكن فتحاً، لأن العرب هم الذين نقلوا الدين الإسلامي للترك وعلموهم مبادئه. لكن تقول بعض الروايات إن خلافات المماليك في ما بينهم دفعت بعضهم لتحريض العثمانيين على سلطان المماليك، في ذلك الوقت، قانصوه الغوري، مدعين أنه بدّل مذهبه إلى التشيّع، فزحف السلطان سليم إلى بلاد الشام متجهاً إلى مصر، فلاقاه الغوري بجيشه ليتواجها في مرج دابق، قرب حلب.
كان جيش المماليك القادم من مصر أقوى من الجيش العثماني؛ وفرسانه اكثر عدداً، لكن العثمانيين جلبوا معهم سلاحاً جديداً هو المدافع، وعندما فوتح الغوري بالمسألة وقال له أركانه إنه باستطاعتهم جلب مدافع لمواجهة مدافع العثمانيين، رفض معتبراً أن رجولته تدفعه ليضرب عدوه بسيفه ويطعنه برمحه؛ وأنه لا يقاتل من بعيد كالجبناء.
وتروي كتب التاريخ أن مدافع العثمانيين وخيانة بعض أركان الغوري أدت إلى تشتيت الجيش المصري وهزيمته؛ وإلى مقتل الغوري نفسه، فطارد السلطان العثماني جيش المماليك إلى مصر واحتلها.
ما حصل في هاتين الروايتين من غير المقبول أن يتكرر مع إيران، فهي دولة متقدمة ولها صناعاتها العسكرية الحديثة، لكن أعداءها ليسوا مجرد دول متقدمة ومسلحة، بل هم مجموعة دول تملك السلاح النووي، فالولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا دول نووية، وهناك تلميحات المانية، وحتى يابانية، بالتوجه لإمتلاك السلاح النووي، بحجة مواجهة التهديد الروسي، وكذلك الهند التي كانت صديقة للعرب أيام كانوا "ضد الرجعية والاستعمار"، فاصبحت صديقة، بل حليفة لعدونا الصهيوني، في زمن "الحضن العربي النفطي". كما أن "إسرائيل" ذاتها قوة نووية، فهي تملك عشرات الرؤوس النووية. فكيف تخوض إيران مواجهة مع مثل هذه القوى، في ظل الفتوى الدينية بتحريم إمتلاكها للسلاح النووي؟ كيف لها أن لا تملك سلاحاً نووياً، فيما هي تصر على الصمود في وجه العدوان القادم من بعيد؟ كما أنها تملك كل تقنيات الصناعة النووية، بما فيه تخصيب "الأورانيوم"، هذا إذا لم يصدق البعض، الذي تنبأ، ربما عن علم، أو ربما عن رجاء، بان إيران لا بد أنها اشترت بعض الرؤوس النووية من ألمانيا الشرقية، قبل إنحلالها الأخيرة، أو من غيرها من دول حلف فرصوفيا السابق، عندما كان بيع تكنولوجيا أوروبا الشرقية والإتحاد السوفياتي معروضا للبيع على الأرصفة، ولا ننسى كوريا الشمالية؛ الأصغر والأفقر من إيران بأشواط، لكن المهرج البلطجي دونالد ترامب لا يجرؤ على تهديدها أو توجيه كلمة إساءة لقائدها، لأنها ببساطة تملك سلاحاً نووياً.
إيران والهنود الحمر وقانصوه الغوري ــ عدنان الساحلي
الجمعة 27 شباط , 2026 09:06 توقيت بيروت
أقلام الثبات
تحشيد ضخم يتجاوز ايران.. " هل تُفاجئ طهران إسرائيل بسلاح سرّي"؟! _ ماجدة الحاج
العرب مع الفرس الأمريكيين.. وليسوا مع الفرس المقاومين ــ د. نسيب حطيط
لبنان تحت النار: هل حان وقت كسر الرهان الخاسر وتغيير قواعد المواجهة؟