من هندسة القامة إلى هندسة القرب .. في التمايز بين الركوع والسجود ـ د. أحمد مبلغي

الجمعة 27 شباط , 2026 11:07 توقيت بيروت أقلام الثبات

خاص الثبات

التمييز بين الركوع والسجود، يمثل التمييز بين درجتين في وعي الانسان بذاته وبربه. انهما مستويان عميقان من نسبته الى ربه، حيث تتحول الحركة الى معنى، والمعنى الى مصير.

القيام هو الصورة الاولى. ان تقف يعني ان تدخل الزمن المشترك، ان تصير مرئيا ومسؤولا. في الافق القرآني، القيام اهلية للعدل:

ليقوم الناس بالقسط

كأن العدالة لا تنهض ما لم ينهض لها انسان. القامة هنا رمز التكليف، والوقوف اعلان استعداد للمشاركة في صناعة المعنى داخل الجماعة.

الركوع ليس نفيا للقامة، بل تصحيحا لها. انكسار واع في حضرة المعبود كي تتخلى القامة عن دعواها وتبلغ حقيقة التسليم. لا تسقط، بل تصقل. تترك حدّة الاكتفاء بالذات لتدخل في ليونة العبودية.

ينحني الانسان ويبقى قائما، لكن قياما آخر: بلا ادعاء، بلا تفوق. بين الناس لا فوقهم. الركوع ليس انقطاعا عن الخلق، بل ثورة هادئة في طريقة الحضور بينهم.

ولهذا جاء النداء بصيغة الجمع:

واركعوا مع الراكعين

حقيقة الركوع تكتمل في الجماعة. كل انحناءة صدى لانحناءة اخرى. الخضوع حين يتوزع على كثيرين لا يضعف، بل يؤسس نظما جديدا: نظاما يقف فيه الناس معا لانهم تعلموا ان ينحنوا معا امام ربهم.

في الركوع اعتراف صامت، عميق، بحدود الذات. ليس خروجا من العالم، بل مراجعة لطريقة الوقوف فيه. يبقى الانسان في المجال العام، لكنه يتخلى عن وهم العلو. وحين تنحني القامات معا، يتحول التواضع الى بنية اجتماعية، الى اخلاق مشتركة.

اما السجود فهو عبور الى طبقة اخرى من المعنى. اذا كان الركوع تهذيبا للقامة، فالسجود سؤال عن جذرها. في السجود يقترب الانسان من الارض، من مادته الاولى، من التراب الذي خرج منه. لا ينحني فقط، بل يعود. لا الى الوراء، بل الى العمق.

في السجود يتبدل الاتجاه. ينشق الافق ويستقر خط عمودي في الروح. العلاقة الافقية التي كانت تعرف الانسان بمرآة المجتمع تتراجع، ويقوم ميزان جديد: ميزان القرب. هنا لا معيار الا ثقل القلب وخفته امام الحق.

واسجد واقترب

هذا الاقتراب ليس انتقالا في المسافة، بل تحولا في الكينونة. مسافة لا تقاس بالجغرافيا، بل تذوب في الداخل. الانسان لا ينقص من الطريق، بل ينقص من نفسه.

السجود حدث صامت، ثورة بلا ضجيج في الباطن. حتى لو اصطفّت الاجساد في صف واحد، يبقى القرب سرا يفتح في عزلة كل روح. الجماعة توحد الصورة، اما القرب فيولد في الخفاء.

تقدم الركوع على السجود يكشف منطق تدرج الروح. القرب لا يقبل قفزة بلا جذور. لا يمكن الهروب من الناس وادعاء الوصول الى الله. الطريق الى الله يمر بميدان المسؤولية، بعنق العدالة، باحتكاك الذات بغيرها.

المجتمع يربي، والعدل يمتحن. وفي هذا الاحتكاك تتشقق الانا. الانكسار المشترك يهيئ الروح لانكسار اعمق. الركوع تدريب لا خاتمة، مدرسة يتعلم فيها الانسان ان يخفف صلابته من غير ان ينسحب من الساحة.

في الركوع تلين القامة، وفي السجود تسلَّم القامة امانة. هناك يتعلم الانسان كيف يتواضع بين الناس، وهنا يتعلم كيف يضع نفسه كلها بين يدي الله. الركوع تربية على الحضور، والسجود ولادة للقرب.

من السجود اشتق اسم المسجد؛ كأن المكان بني منذ البدء انتظارا لهذه اللحظة. الجدران قائمة لتحتضن لحظة ملامسة الجبهة للارض. وحتى الصلاة، بكل قيامها وركوعها، تتكثف في نقطة السجود: خذوا زينتكم عند كل مسجد.

القرب هو الغاية، افق لا افق بعده. القيام والعدل والحضور في العالم طرق لا مساكن، جسور لا بيوت. العبور الاخير يحدث في السجود. هناك يضع الانسان جبهته على التراب، ويضع معها اسماءه وادواره وصوره التي صنعها لنفسه حتى كاد يعبدها. يتحرر من ثقل العناوين ليبلغ خفة الحقيقة. يخفّ لا هربا، بل استعدادا للعلو.

السجود محو واع، لا عدما. عودة الى التراب بوصفه منبع الكرامة. من هذا التنازل يولد الصفاء، ومن هذا النزول يتشكل العلو. كلما اقترب الانسان من حقيقته الاولى، اقترب من ربه. وفي اقصى الخضوع ينفتح افق القرب.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل