أقلام الثبات
تتحمل السلطة السياسية في لبنان كامل المسؤولية عن خرق النقاش السياسي في البلاد سقوفاً عالية، تنذر بامتداده إلى الشارع، مع ما يرسله ذلك من إنذار خطير، لأن اللبنانيين، على مختلف انتماءاتهم، اختبروا معاناة صدامات الشارع ودفعوا فيها اثماناً غالية.
وسبق أن كتبنا مع كثيرين، خلال السنوات السابقة، محذرين من أن المخطط الذي ينفذ ضد لبنان واللبنانيين، بدأ بما سميناه الإفقار والتجويع، مقدمة للتطويع والتطبيع، وهذا ما شهدناه بأم العين خلال السنوات السابقة.
بدأت المؤامرة بإفراغ الخزينة العامة من مدخرات الدولة وأموالها، في هدر علني، هو سرقة موصوفة من قبل كبار المسؤولين عن السياسة والمال في لبنان، عبر وسائل عدة، أبرزها التعهدات والالتزامات التي كانت تعطى لأزلام تحالف زعماء الطوائف واصحاب المصارف، الذي يدير شؤون لبنان منذ عشرات السنين.
ثم بدأت مرحلة إغراق لبنان بالديون، بالعملات الصعبة، بتشريع من مجلس النواب. وكان الكلام واضحاً بأن الديون سيتم سدادها من قبل دول عربية نفطية، بأوامر أميركية، عندما يدخل لبنان في "مشروع السلام"، الذي تدفع إليه المنطقة.
وعندما لم تكفي أعمال الهدر تلك، تولى حاكم البنك المركزي عمليات "هندسة مالية"، وزع فيها ملايين الدولارات يمينا وشمالاً؛ بهدف إفلاس الدولة وإفقار لبنان واللبنانيين، لوضعهم تحت مقصلة الدول التي ترعى عملية التطبيع مع العدو "الإسرائيلي"؛ وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية والمملكة السعودية، فيصبح إنقاذ لبنان وشعبه، ثمناً للدخول في تطبيع مع الكيان العدواني الدخيل، الذي اغتصب فلسطين وشرد اهلها ويتوسع مع مرور الزمن على حساب البلدان المحيطة بها.
وعندما صبر اللبنانيون وصمدوا في وجه تلك المؤامرة المجرمة، جاء دور العصا الأميركية التي يحملها الصهيوني وتمولها أنظمة عربية، دفعت مسبقاً ثمن التخلص من كل معارضة عربية لمشروع الاستسلام، خمسة تريليونات دولار، قبضها دونالد ترامب عندما زار المنطقة. وجاءت عملية طوفان الأقصى في غزة فلسطين؛ والإسناد في لبنان، عملا استباقياً لمواجهة الهجمة المقررة سلفاً، من قبل الأميركي وأتباعه من الدول الغربية والعربية. وشهدنا فيها كيف جاء جو بايدن بشخصه، على رأس حاملات طائراته وبوارجه ومعه وزيرا خارجيته ودفاعه، ليدافعوا عن الكيان الصهيوني، ثم بدأت الهجمة العسكرية الأميركية والأطلسية، على فلسطين ولبنان واليمن وإيران، فما جرى كان فوق طاقة العدو "الإسرائيلي" وفوق قدراته؛ والهدف ليس الدفاع عن الكيان الصهيوني، بل صهينة المنطقة بالكامل، عبر ما سماه نتنياهو "إسرائيل العظمى" أي الأقوى في المنطقة، مقدمة لـ "إسرائيل الكبرى"، التي تتوسع على حساب الدول العربية، من لبنان إلى سورية والأردن، حتى السعودية ومصر، إلى غيرها مما يقتضيه الشره اليهودي، الذي يخدم أطماع الدول الغربية، التي لم تتغير نظرتها الطامعة ببلادنا، منذ حروبها الاستعمارية التوسعية، التي عرفت بالحروب الصليبية.
وبالتوازي، كانت قوى في الداخل اللبناني، لا تتورع عن شن حملات الشتم والشيطنة بحق المقاومة وبيئتها؛ ولم تترك لتلك البيئة مقدساً إلا ومسته بالتطاول والسخرية. ثم جاء دور إعادة تكوين السلطة في لبنان، حيث تمكن الأميركي والمال السعودي، من تنصيب سلطة تتبع لهم بالكامل. وكلنا نعلم كيف جرى انتخاب رئيس الجمهورية وتعيين رئيس الحكومة. وكيف أشرفت السفارة الأميركية على اختيار وزراء حكومة نواف سلام. ومنذ تلك اللحظة رفعت جوقة المتصهينين من سقف خطابها؛ وعلى رأسها اليمين المسيحي، لتدعوا فيه علناً إلى "السلام" مع العدو المحتل؛ والى التخلص من المقاومة وسلاحها، وجاء الخطاب الرسمي، على لساني رئيس الجمهورية والحكومة ووزير خارجيتهما، ليكسر الجرة مع المقاومة وجمهورها، فوزير الخارجية يعلن عن "إسرائيليته" التامة، بإعطاء العدو الحق باعتداءاته على اللبنانيين، ورئيس الحكومة كاد يشعل فتنة، لأنه لم يتقبل أن ترفع صورة قائد المقاومة الشهيد على صخرة الروشة، وهو يكرر قبوله الدائم بالمطلب الأميركي -"الإسرائيلي" بتجريد المقاومة من سلاحها، ثم يأتي رئيس الجمهورية ليتحدث عن "تنظيف" جنوب الليطاني من السلاح؛ في تعبير مخجل له ولكل من يستعمل هكذا تعابير، فالسلاح المقاوم الذي قاتل العدو الصهيوني طوال أربعين عاما وحمى لبنان وحرره من الاحتلال؛ ثم صمد ستة وستين يوماً في وجه سبعين ألف جندي صهيوني، مزودين بكل السلاح والذخائر الأميركية، لا يمكن وصفه بأنه وسخ جرى تنظيفه، مما استدعى ردوداً من بعض الإعلاميين، وبدلاً من معالجة الأمر لما فيه مصلحة لبنان والسلم الأهلي، جرى اللجوء للقضاء لإسكات الأصوات الرافضة للمنطق الأميركي و"الإسرائيلي"، المفروض على رؤوس السلطة، فهل يعي المسؤولون إلى أين يأخذون لبنان ويتداركون الأمر، أم تراهم يتصرفون كنيرون، يتفرجون على وطن أحرقوه، لأنهم فضلوا السير بأوامر الخارج، بدلاً من سماع أصوات شعبهم، الذي تقتله الاعتداءات الأميركية بأيدي الصهاينة، وبتمويل من صهاينة العرب.
"نِضِف الجنوب" وتلوَّثت المبادئ والمفاهيم في لبنان ــ أمين أبوراشد
من المسؤول عن اغتيال "نهج" الإمام الصدر وإعدام الطائفة الشيعية؟ ــ د. نسيب حطيط
لبنان بين العدوان والتخلّي: اختبار السيادة الأخير