خاص الثبات
ما يجري في لبنان لم يعد عدوانًا بالمعنى التقليدي للكلمة، بل عملية إبادة بطيئة وممنهجة، تُنفَّذ تحت أنظار العالم، وبموافقة ضمنية من القوى التي تدّعي حماية القانون الدولي وحقوق الإنسان.
القصف المتعمّد للقرى الآمنة، واستهداف المعابر، ودفع العائلات إلى النزوح القسري، ليست «أضرارًا جانبية» ولا أخطاء ميدانية، بل خطة واضحة لتفريغ الأرض من أهلها وكسر إرادتهم.
هذا ليس توصيفًا انفعاليًا، بل حقيقة موثّقة بكل المعايير الحقوقية:
استهداف المدنيين، التهجير القسري، تدمير البنى التحتية، العقاب الجماعي… كلّها جرائم حرب مكتملة الأركان. ومع ذلك، لا محاكم تتحرك، ولا عقوبات تُفرض، ولا خطوط حمراء تُرسم. وحده الدم اللبناني يبدو فائضًا عن الحاجة في ميزان العدالة الدولية.
الأخطر من القنابل، هو محاولة تطبيع الجريمة.
أن يُطلب من اللبنانيين التعايش مع النزوح، وأن تُختزل المأساة ببيانات «القلق العميق»، وأن يُعامل التهجير كأمر واقع قابل للإدارة، لا كجريمة يجب وقفها فورًا.
هنا تحديدًا يسقط القناع: الصمت ليس عجزًا، بل قرارًا سياسيًا.
أما السلطة اللبنانية، فإن استمرارها في سياسة المراوحة لم يعد مجرد تقصير، بل يقترب من التخلّي عن المسؤولية الوطنية. الدولة التي لا تحمي شعبها، ولا تصرخ في المحافل الدولية، ولا تستخدم ما تبقّى لها من أدوات قانونية وديبلوماسية، تتحوّل عمليًا إلى شاهد صامت على تدمير أرضها. لا يُطلب المستحيل، بل الحد الأدنى من الفعل:
تحرّك ديبلوماسي هجومي، تسمية الجريمة باسمها، تحميل العدو وداعميه المسؤولية، ورفض لعب دور الضحية الخرساء.
وفي المقابل، فإن تصوير ما يجري على أنه استهداف «لفئة لبنانية بعينها» يجب أن يكون ناقوس خطر لا ذريعة للانكفاء. نعم، هناك بيئة تُستهدف مباشرة لأنها دفعت تاريخيًا ثمن الدفاع عن الأرض، لكن الجريمة لا تقف عند حدود الطائفة. اليوم الجنوب، وغدًا أي بقعة أخرى يرى العدو أنها مناسبة. من لا يفهم أن النار واحدة، سيكتشف متأخرًا أن الحريق لا يسأل عن الهوية.
من هنا، تبرز مسؤولية المرجعيات الروحية، التي لا يليق بها الوقوف في منطقة الرماد. الصمت في وجه القتل ليس حكمة، والحياد بين الضحية والجلاد ليس فضيلة. الكلمة هنا ليست موقفًا سياسيًا، بل شهادة أخلاقية: إما تُقال في وجه الظلم، أو تُسجَّل كغياب في لحظة مفصلية.
أما داخل البيئة الأكثر تضررًا، فالمطلوب ليس البكاء على الأطلال ولا إدارة الألم، بل تحويل المأساة إلى قوة تنظيم وضغط. لقاءات طارئة، مواقف موحّدة، خطاب وطني جامع، يرفع السقف بدل خفضه، ويضع الجميع أمام مسؤولياتهم. فالتهجير لا يُواجَه بالصبر وحده، بل بالفعل السياسي والاجتماعي المنظّم.
ويبقى العامل الدولي، حيث لم يعد خافيًا أن الإدارة الأميركية منحت العدو تفويضًا مفتوحًا في لبنان. هذا الواقع، مهما كان فاضحًا، لا يجب أن يُنتج الاستسلام، بل إعادة تعريف الخيارات: كسر وهم الحماية الخارجية، وبناء موقف وطني يستند إلى الحق، لا إلى الرضا الأميركي.
لبنان اليوم أمام معادلة قاسية:
إما أن يقبل بدور الساحة المستباحة، أو أن يقرّر، ولو متأخرًا، أن الدم ليس تفصيلًا، وأن الأرض ليست ورقة تفاوض، وأن التهجير ليس قدرًا.
في لحظات كهذه، لا يُقاس الوطن ببلاغة خطبه، بل بجرأة مواقفه.
فحين تُحوَّل الإبادة إلى سياسة، يصبح الصمت جريمة،
ويغدو الكلام… واجبًا.
"بلا المقاومة"... "إسرائيل" ستحكم لبنان بالهاتف ــ د. نسيب حطيط
"جماعات مسلحة" و"سلاح غير شرعي" و"تنظيف"... متى ستعلنون المقاومة "إرهابية"؟! ــ د. نسيب حطيط
إيران وتعليمات المُرشد: عند أول صاروخ أطلقوا الصواريخ في كل الاتجاهات ــ أمين أبوراشد