أقلام الثبات
لا مجال للمقارنة بين ما يحدث لأميركا في مواجهة إيران، مع ما حصل لها في مستنقع فيتنام، أو في رمال العراق، أو في هروبها من أفغانستان تاركة أسلحتها هناك، لأنها على الأقل دخلت تلك البلدان لاحتلالها، ولو أنها غادرتها خائبة مهزومة، لكنها لم تجرؤ على ملامسة البرّ الإيراني، ولا استطاعت حاملات طائراتها مواجهة صواريخ ومسيَّرات وحتى زوارق متواضعة، وبات الرئيس الأميركي يبحث عن سيناريو الهروب من حرب توٌَجت إيران شرطي الشرق الأوسط الجديد، فيما معظم دول الخليج يبحث زعماؤها دون جدوى عمَّن يتبنى أيتاماً ما زالوا يحتاجون إلى رعاية.
خسرت أميركا جدارة هذه الرعاية، و17 قاعدة لها في الدول الخليجية أصابها الدمار الجزئي أو الكلِّي، والكلفة التي تُقدَّر بنحو 31 مليار دولار، لم تكن كل خسائر أميركا لأجل فتح مضيق هرمز، الذي لم يكن مقفلاً قبل الحرب، بل الخسائر هي في الداخل الأميركي الذي اكتوى بنار الغلاء التي أشعلها ارتفاع أسعار الوقود، ولم ينجح الاحتياطي النفطي من لجمها لامتصاص النقمة المعيشية، إلى جانب غضب الشارع السياسي المُقبِل على انتخابات نصفية في تشرين الثاني المقبل، والتي قد يفقد فيها الحزب الجمهوري الأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ.
الكارثة السياسية الكبرى حصلت في قاعدة MAGA، الحركة التي أوصلت ترامب إلى البيت الأبيض لولاية ثانية، على أساس ما طرحه في حملاته الانتخابية حول "أميركا أولاً" وشعار Make America Great Again، وحصل أول انشقاق في هذه الحركة، بقيادة الإعلامي والمؤثر الكبير "تاكر كارلسون"، الذي اعتبر أن ترامب خاض الحرب على إيران بالنيابة عن "إسرائيل"، وأن إيران لا يُشكل برنامجها النووي أي خطر مباشر على الولايات المتحدة، واتهم هذا الفريق ترامب بتجاهل تقارير الاستخبارات الأميركية حول قدرات إيران، وانزلق إلى الهاوية بضغط من نتانياهو واللوبي الصهيوني في أميركا، إضافة إلى ما يتصل بملفات "إبستين" التي تفضح ترامب، وربما أيضاً بعض أفراد عائلته.
الفريق الذي قاده "تاكر كارلسون" اعتبر أن MAGA باتت MIGA وتعني: Make Israel Great Again، لكن مع تطور الحرب وإصابة أميركا بنكسات في البحر والجو بالصواريخ والمسيرات والزوارق الإيرانية، حصل انشقاق آخر داخل MAGA واعتبر الفريق الجديد أن MIGA باتت تعني: Make Iran Great Again.
انقسام حركة MAGA المحسوبة على ترامب، انسحب أيضاً على الحزب الجمهوري، الذي يرى فريق فيه أن ترامب فشل في الحرب على إيران، وأنه لم يحقق أياً من أهدافه المعلنة، وأن الكلفة باتت باهظة جداً على دافعي الضرائب من الأميركيين، والغلاء يلتهم لقمة عيش شريحة واسعة منهم، فيما ذهب فريق آخر من المخضرمين المتصهينين في هذا الحزب ومعهم مجموعات من المحافظين الجدد إلى رفض الاتفاق مع إيران والدفع إلى تصعيد الحرب عليها، وسط تحذيرات من أن بنود الاتفاق المحتملة قد تمنح طهران نفوذاً إقليميًا أوسع وتُبقي قدراتها العسكرية قائمة.
هذه الانتقادات من بعض القوى في الحزب الجمهوري، جاءت بعدما أشارت تصريحات أميركية وإيرانية إلى اقتراب التوصل إلى مذكرة تفاهم تمهِّد لوقف العمليات العسكرية وفتح الباب أمام جولة جديدة من المفاوضات السياسية، وفق ما ذكرت صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" العبرية.
وقد جاء تصريح ترامب حول التوصل إلى شبه توافق مع إيران على مسوَّدة الإطار العام، بدءاً من وقف إطلاق النار وفتح مضيق هرمز وفك الحصار تدريجياً عن الموانىء الإيرانية، على أن يُصار خلال فترة 30 يوماً قابلة للتمديد الى 60 بموافقة الطرفين لبحث الملف النووي ورفع العقوبات الأميركية عن إيران والإفراج عن أصولها، إضافة إلى خطوة إستثمارية كبرى بقيمة 300 مليار دولار لأغراض إعادة الإعمار والتنمية في إيران، وهذا التصريح جاء بعد اجتماع ترامب عبر تقنية ZOOM مع قادة وزعماء كل من السعودية والإمارات وقطر ومصر والأردن وتركيا وباكستان، وبطبيعة الحال مع بنيامين نتانياهو، وشجّع المترددين العرب منهم خاصة السعودية، على الإنضمام للإتفاقية الإبراهيمية لإحلال السلام في كل الشرق الأوسط، على أن تنضم إيران إلى هذه الإتفاقية، لكن يبدو أن المجتمعين اكتفوا بسماع طرح ترامب دون إبداء حماسة للإنضمام، وكرر ترامب في تصريح آخر "إلزامية" التطبيع مع "إسرائيل" بالنسبة للدول التي تشاور مع قادتها بشأن الإتفاق مع إيران، وخصَّ بالذكر السعودية وقطر، وهو كالعادة يرتجل مواقفه من فراغ، ليكتشف بعد دقائق ربما أن أمله قد خاب، خاصة عندما جاءه الرد السعودي: لا تطبيع قبل قيام الدولة الفلسطينية.
ومع إصرار نتانياهو على استكمال الحرب على إيران ويؤيده بذلك رئيس دولة الإمارات محمد بن زايد، تفاعل بعض الإعلام الأميركي مع تصريحات معارضي نتانياهو المنتقدة لفشله في تحقيق أي من أهداف حروبه التي لا تنتهي، وقال أفيغدور ليبرمان: "ما فشلت حكومة نتانياهو في تحقيقه بعد مرور أكثر من سنتين على الحروب لن تستطيع تحقيقه على الإطلاق.
بدوره، قائد استخباراتي أميركي سابق، تهكَّم على حماسة محمد بن زايد لمحاربة إيران وقال: إيران قادرة بكل بساطة على إسقاط دولة الإمارات واحتلالها خلال أيام.
في المحصلة، الحرب العسكرية على إيران باتت بحكم المنتهية، بعد محاولتيّ العدوان عليها في حزيران 2025، وشباط 2026، خاصة أن فريق عمل ترامب قد تشظى وبات ثلاثة فرقاء على خلفية الهزيمة أمام إيران: الفريق الأول رافض لوقف الحرب، لأنه سوف يُعتبر نصراً مجانياً لإيران، ويقود هذا الفريق السيناتور الصهيوني ليندسي غراهام، والفريق الثاني يقوده نائب الرئيس جي دي فانس، ويعتبر أن لا جدوى من استمرار الحرب وإرهاق الشعب الأميركي بتداعياتها، ويجب حل الأمور مع إيران على طاولة المفاوضات، فيما الفريق الثالث بقيادة رئيس الأركان ومعه بعض قادة الجيش، يعتبرون أن الإنتصار على إيران عسكرياً هو أمر مستحيل، لأن إيران ليست العراق ولا هي فنزويلا.
نداء "الشيعة اللبنانيين" إلى المسلمين الشيعة حول العالم _ د. نسيب حطيط
عيد المقاومة والتحرير … حكاية شعب لا يركع ولا يطبع ـ محمد دياب
وقف إطلاق النار الممنوع في لبنان _ د. نسيب حطيط