لبنان بين الوصاية الأميركية والحرب "الإسرائيلية" _ د. نسيب حطيط

الجمعة 22 أيار , 2026 11:24 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات
يتعرّض لبنان لاجتياح سياسي وعسكري اميركي و"اسرائيلي" استثنائي يتصاعد على محاور متعددة لاجتثاث المقاومة وأنصارها أو حتى المحايدين الرافضين للصدام معها والبدء بما أسمته الإدارة الأميركية والحكومة وحلفاؤها "تطهير" الإدارة اللبنانية من حزب الله والمتعاونين معه، وتنظيف جنوبي الليطاني من المقاومين.
تتشابه الحملة الأميركية لاجتثاث المقاومة بما فعلته امريكا  في العراق لاجتثاث البعث العراقي، فحلّت الجيش العراقي (ستشكل جيشاً رديفاً في لبنان) وشلّت المؤسسات، ولقّحت المجتمع العراقي بفيروس الطائفية والقومية والمناطقية؛ وفق مشروع "لبننة" العراق في المحاصصة السياسية والطائفية وتقسيم الشعب العراقي الى شعوب الأقاليم العراقية الانفصالية "الجنوب والوسط والشمال"، وربطها بالقرار الأميركي لحمايتها من بعضها، ولتسخيرها في خدمة المشروع الأميركي، بعدما ألغت الديمقراطية، فمنعت وصول مرشح لرئيس الحكومة وفرضت مرشحاً آخر.
تحاول أميركا تكرار التجربة السورية السابقة التي حكمت في لبنان وأمسكت بعناوين وجزئيات الحياة السياسية والإدارية والاجتماعية من انتخاب رؤساء الجمهورية والحكومة أو تعيين النواب والوزراء والموظفين العامين، فكان لا بد من توقيع "عنجر" أو استشارتها لتعيين أو انتخاب أي مرشح في لبنان وضمان عدم وضع الفيتو عليه، وهذا ما بدأت به "عوكر - أميركا" مع إعطاء السعودية هامشاً لترتيب الطائفة السنية وتعيين قيادات بديلة عن "الحريرية السياسية" ترتبط بالقرار السعودي واستتباعاً بالقرار الأميركي.
لن تتراجع أميركا عن استعمار لبنان وفرض الوصاية عليه وإدارته عبر حاكم أميركي مباشر أو سفير مقيم أو سلطة سياسية نصّبتها، فهو حاجة أمنية وسياسية لها كمركز آمن ومثالي لقيادة وإدارة الشرق الأوسط الأميركي الجديد، تتوفر فيه كل المتطلبات الأميركية الأمنية والاجتماعية والترفيهية وحرية الحركة، حيث تشكل سفارة "عوكر" دولةً داخل الدولة؛ لها مطارها ومرفأها وممثلوها في الوزارات والمؤسسات، ولأول مرة تستطيع أمريكا الإمساك بلبنان بدون منافس أو معارضة مؤثرة بسبب انشغال المقاومة بمواجهة الاجتياح "الإسرائيلي"، ولغياب القوى والشخصيات الوطنية عن المواجهة، إما لقصور وعجز أو لحماية رأسها في الحرب المتوحشة التي تشنها "إسرائيل" عسكرياً، وأميركا سياسياً وقانونياً وإدارياً.
 لن يتراجع العدو "الإسرائيلي" عن مشروعه لاجتثاث المقاومة لضمان أمنه العسكري والنفسي، وسيستمر في حربه بالتكافل والتضامن مع أمريكا والحكومة اللبنانية المتعاونة معه، بعد إعلان تحالفها الثلاثي مع أميركا وإسرائيل للعمل المشترك ضد المقاومة وأهله وستواصل أميركا تنفيذ مشروعها بأي طريقة وبأي ثمن لإسقاط لبنان في قبضتها، وإذا لم تستطع أو أفشلت مشروعها القوى الوطنية المقاومة، فستلجأ إلى خطتها البديلة التي تنتهجها في السياسة والحرب، باعتماد سياسة  "الأرض المحروقة" وستشعل لبنان بحرب أهلية في مرحلتها الأولى، ثم الضغط على نظام "الجولاني" في سوريا - جبهة النصرة لتنفيذ  غزوة الى لبنان شبيهة بغزوة "داعش" للعراق بهدف كسر هيمنة الشيعة على القرار العراقي المعارض للوجود الاستعماري الأميركي.
إسقاط لبنان مطلب وحاجة ضرورية للتحالف الأميركي - "الإسرائيلي"، لفتح الطريق البرّي أمام إسرائيل بإتجاه ايران عبر لبنان وسوريا والعراق، وإقفال الطريق الإيراني ،بالاتجاه المعاكس من إيران إلى العراق وسوريا إلى لبنان؛ لخنق إيران وسلبها الأوراق التي كانت تساعدها في مشروعها في العراق مع الحشد الشعبي، وسوريا عبر نظام الأسد، ولبنان من خلال المقاومة اللبنانية، فإسقاط لبنان له هدفان: اجتثاث المقاومة في لبنان ووضع اليد عليه، لحصار إيران وإغلاق نوافذها الخارجية، خصوصاً نافذة لبنان التي ساعدت إيران تاريخياً أكثر من أي نافذة في العالم.
الحرب الأميركية - "الإسرائيلية" على المقاومة في لبنان وأهلها ستزداد سخونة وستتوسّع محاورها وتتنوع وسائلها دون ضوابط(ربما استعمال الحصار المالي ومنع الدولار عن لبنان)، وستطول مدتها وفق صمود المقاومة وأهلها، ولا بد من مواجهتها وفق المتغيّرات التي تحصل وحسن إدارة مواجهتها بما يضمن عدم الانهزام أو الاستسلام وتقليل الخسائر، وربما إحداث توازن ردع أو خسائر، والخطوة الأولى تبدأ بإسقاط الحكومة المتعاونة مع العدو لسلب أميركا ورقة الشرعية التي تستعملها سيفاً لقطع رأس المقاومة وأهلها.
 لا يزال بيد المقاومة والقوى الوطنية الكثير من أوراق القوة التي يمكنهم استعمالها، وأولها تقييد حركة أميركا في لبنان وتهديد وجودها الأمني والسياسي، فربما تتراجع خطوة، للاحتفاظ بما ربحته في لبنان - والذي يتجاوز 80% من القرار اللبناني - بدلاً أن تخسره كاملاً، فكما تهدد أميركا بالحرب الأهلية والأرض المحروقة، تستطيع قوى المقاومة أن تهدد الوجود الأميركي بإسقاط أدواته والأرض المحروقة بوجهه.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل