ترامب مأزوم ومهزوم.. قبل زيارة الصين وبعدها _ أمين أبوراشد

الثلاثاء 19 أيار , 2026 11:16 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات

مواطن سعودي في مداخلة هاتفية على إحدى الفضائيات، اختصر الواقع الذي تراه قيادة المملكة بعد النكبة الأميركية في مواجهة إيران وقال: أميركا سترحل يوماً من الخليج، والنظام الإيراني قد يتغير في يوم من الأيام، ولكن الحقيقة الثابتة أن جيرتنا مع إيران تحكمها الجغرافيا، و92 مليون إيراني غالبيتهم الساحقة من الشيعة، هُم محكومون بالبقاء في بلادهم، فلا تنتظروا أن تنتصروا عليهم.
تصريح المواطن السعودي بدا وكأنه موجز أنباء عن التحركات السياسية والدبلوماسية الكبيرة التي تقوم بها القيادة السعودية، وقد فجَّرت صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية قنبلة إعلامية مدوِّية، بكشفها عن كواليس هذه التحركات التاريخية وغير المسبوقة، لإعادة تشكيل الواقع الأمني في المنطقة، حيث طرحت الرياض مقترحاً استراتيجياً يدعو إلى توقيع اتفاقية عدم اعتداء شاملة ومُلزمة بين دول الشرق الأوسط وإيران.
هذا التحول الجذري في السياسة الخارجية السعودية هو نتاج خيبة الرهان على العنصر الأميركي لحماية دول الخليج، أولاً بصفته تاجر سلاح "جشع"؛ نَهَب الترليونات من الدولارات من حكومات هذه الدول على مدى عقود، في بيع الأسلحة وبناء القواعد العسكرية لمواجهة "النووي الإيراني"، وثانياً لأن الأميركي مُحارب هوليودي إستعراضي غير مؤهل للدفاع عن هذه الدول، لا بل فَشِل حتى في حماية قواعده المنتشرة في صحارى الدول الخليجية التي دمرتها إيران بمُسيَّرات وصواريخ من صناعتها وقدرات شعبها.
والمملكة السعودية تسعى لتطبيق نموذج الحرب الباردة واتفاقية "هلسنكي"، وهذا ما كشفته التقارير الدبلوماسية الغربية؛ أن الهندسة السياسية لهذا المقترح السعودي تستند مباشرة إلى إرث الحرب الباردة، وتحديداً اتفاقية "هلسنكي" التاريخية لعام 1975 التي نجحت في تنظيم الخلافات الأمنية الكبرى وتوسيع التعاون الاقتصادي بين المعسكرين الشيوعي السوفياتي والرأسمالي الغربي، وتسعى الرياض من خلال هذا النموذج إلى ترسيخ التزام متبادل، يمنع إيران من ممارسة أي عدوان ضد جيرانها، وفي المقابل يقدم ضمانات أمنية صارمة لطهران تضمن عدم تعرض الأراضي الإيرانية لأي هجوم عسكري، مما يمنح الجمهورية الإسلامية اعترافاً ودوراً محورياً في إدارة شؤون المنطقة داخلياً دون تدخلات خارجية.
ينطلق هذا التحرك الدبلوماسي المكثف من مخاوف عميقة تعتري عواصم الخليج العربي حول مستقبل المنطقة في مرحلة ما بعد الحروب الحالية، حيث تخشى هذه الدول من سيناريو تبدو فيه إيران أضعف عسكرياً واقتصادياً لكنها أكثر عدوانية وخطورة، خصوصاً في ظل المؤشرات المتزايدة حول تقلص الوجود العسكري الأميركي في المنطقة، ومع التهديدات المستمرة التي طالت منشآت الطاقة والبنية التحتية المدنية الحيوية، واهتزاز أمن الملاحة في مضيق هرمز، رأت الإدارة السعودية أن الردع العسكري وحده لم يعد كافياً، وأن بناء شبكة أمان دبلوماسية مدعومة من العواصم الأوروبية بات ضرورة ملحة لمنع الانفجار الشامل.
الجهود الدبلوماسية السعودية نالت مباركة الدول العربية والإسلامية، لإبعاد شبح الحرب واستبعاد أي دور أميركي أمني أو عسكري في المنطقة، وتقاطعت مع الرغبة الأوروبية في إرساء السلام حول محيط مضيق هرمز، نتيجة أزمة الوقود الخانقة التي تعاني منها أوروبا، حيث أعلن التلفزيون الإيراني، أن الأوروبيين دخلوا في مفاوضات مع القوات البحرية لحـ..رس الثـ..ورة بعد عبور سفن لدول من شرق آسيا، بهدف تسهيل مرور السفن وناقلات النفط المتجهة إلى البلدان الأوروبية، حيث دخول المضيق مُتاح حالياً من جنوب جزيرة هرمز، والخروج من جنوب جزيرة لارك بإشراف الأجهزة الأمنية واللوجستية الإيرانية.

ومع إعلان رئيس مجلس النواب الأميركي مايك جونسون منذ ساعات، نهاية عملية "الغضب الملحمي"، وأن العمل جارٍ لفتح مضيق هرمز، فإن ترامب سمع شخصياً خلال زيارته للصين ما يجب أن يسمعه من إدانة ورفض لمغامرته غير المدروسة،  خصوصاً لجهة فتح مضيق هرمز بالقوة، وهنا لا بد من القول، عَودٌ على بدء الى المعادلة الإيرانية الواضحة منذ البداية: فك الحصار الأميركي، يُفتح المضيق لمرور كافة السفن بإشراف السلطات الإيرانية مع استثناء السفن المُعادية،  (الأميركية و"الإسرائيلية") وتلك العائدة لدول شاركت في العدوان على إيران كالإمارات العربية المتحدة، وهذه الدول لن تمرّ من مضيق هرمز، قبل رفع العقوبات عن إيران بالكامل والإفراج عن أموالها وأصولها المحتجزة، أما مسألة دفع تعويضات العدوان عليها فهي قد تكون غير مباشرة عبر رسوم عبور البواخر ولو تحت عنوان تعويضات بيئية أو بدلات صيانة المضيق والأعمال الدورية التي تتطلبها سلامة المضائق البحرية، وقد تكون هذه هي نهاية العدوان الأميركي/ الصهيوني الخائب على إيران، ما لم يرتكب ترامب آخر حماقات الغدر بالشراكة مع نتانياهو، لأن أية ضربة محدودة أو واسعة على إيران لن تكون نتيجتها مخالفة لسابقاتها، و"فتح مضيق هرمز" هو أقصى الإنجازات بديلاً عن كل الفتوحات التي وضع لائحة بها المأزوم المهزوم دونالد ترامب و"شركاه"..


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل